الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / في أيديولوجيا النظام السوري

في أيديولوجيا النظام السوري

رانيا مصطفى

طرح حزب البعث منذ نشأته، أيديولوجيا تتعلق
بالتقدم والتحرر، لكنه ناقضها حين استلم السلطة بتحالفه مع البرجوازية المدينية
المعتادة على نهب الريف، والمستفيدة الأكبر من تلك السلطة، وحقق بعضَ الإصلاحات،
التي تتعلق بالتصنيع ودعم الزراعة، ما وفر فرص عمل لأبناء الريف عموماً. بذلك تمكن
الحزب، ومن خلفه الجيش، من تثبيت حكمه، عبر حل التناقض بين البرجوازية المدينية،
التي تريد استمرار نهب الريف، لكنها لا تقوى وحدها على السيطرة، وبين مفقري
الأرياف الباحثين عن وضع اجتماعي أفضل، وجدوه في الانتساب إلى الجيش، وفي الحصول
على فرص عمل في مؤسسات القطاع العام، وكذلك في الفساد الذي استشرى لاحقا، حيث لا
رقابة شعبية على مؤسسات الدولة بعد تدجين النقابات ومن ثم السيطرة الأمنية عليها.

استفاد حافظ الأسد من حالة الاستقرار التي حققها
الحزب بحل التناقض السابق؛ إذ وصل إلى الحكم مدعوماً من كتلة كبيرة في الجيش تنتمي
إلى المنطقة الأكثر فقراً، أي الساحل السوري، معقلِه، وأراد التفرد في الحكم،
تمهيداً لتوريثه لأبنائه. فنسب كل إصلاحات البعث إلى شخصه، ونصّب نفسه قائدا أوحد
للحزب والجيش والدولة وكل المجتمع، وكان هو المعلم الأول، والفلاح الأول…إلخ،
وجعل من نفسه “إلهاً” ترتبط به كل القضايا المجتمعية والنضالية
والتحررية، وبذلك بنى نظاماً شمولياً يقوم على نهب الدولة والمجتمع عبر السيطرة
الأمنية الكاملة. كما استفاد من حربه مع إسرائيل في بداية السبعينات، وصورها
انتصاراً عسكرياً بنى عليه أيديولوجيته “المقاومة والممانِعة”، ومن حربه
ضد الإخوان المسلمين في الثمانينات، والتي كانت طائفية الطابع، وبنى عليها
أيديولوجيته في مكافحة ما يسمى “الإرهاب”، وكل ذلك كان بدعم من حليفته
البرجوازية، ومن ملوك الخليج العربي، الذين فتح لهم أبواب الاستثمار المحدود في
سورية. وبذلك حول كلّ “أيديولوجية البعث التقدمية التحررية” إلى شعارات
جوفاء، بعد أن غرق معظم القائمين عليها، من مسؤولي الدولة وصغار موظفيها في
الفساد.

هذا الفساد القائم، دون رقيب شعبي، والذي تراكم
عبر عقود، جعل فئة من مسؤولي الدولة “ترسمل”، مع اقتراب نهاية الألفية
الثانية، وتسعى إلى مشاركة البرجوازية القديمة في النهب، عبر مزيد من الانفتاح
الاقتصادي. حالت أيديولوجيا “تأليه” الرئيس دون هذا الطرح؛ فكانت الفرصة
المواتية مع موت “الإله” وتوريث الحكم إلى ابنه في عام 2000.

طرح الأسد الوريث أيديولوجية دعائية إضافية في
خطاب القسم الأول، عبر شعارات تتعلق بمكافحة الفساد والشفافية. هذه الشعارات
تُرجمت إلى عكسها في الواقع، فقد آلت مكافحة الفساد إلى تشريعه
و”قوننته”، ليصبح النهب عبر القانون، ولتضيق الدائرة المستفيدة منه،
وتتحول إلى دائرة عائلية مرتبطة عضوياً بالأجهزة الأمنية، بعد أن أُحدثت تغييرات
في قيادات تلك الأجهزة تناسب الوضع الجديد. وبدأ الإسهال في سن المراسيم
الاقتصادية التي تلغي المزيد من الحواجز الجمركية أمام رؤوس الأموال، وتفتح
الأسواق السورية على المنتجات الرأسمالية؛ الصينية والتركية والأوروبية..، وعلى
الاستثمارات الأجنبية، بما فيها الأمريكية!.

تعامل النظام مع الطبقة الوسطى المتدينة في دمشق
وحلب بأسلوب خاص، إذ وفر لها المعاهد الإسلامية والمساجد، ودعم ظاهرة
“القبيسيات” بعد أن كانت تعمل سراً، واستغل انجذاب هذه الطبقة لخطاب
غيبي قدمه رجل الدين الراحل محمد سعيد رمضان البوطي وغيره من رجال الدين المناصرين
للسلطة، يقوم على طاعة ولي الأمر، لأن عكس ذلك يقود إلى فتنة! وأما ما يحصل الآن
فهو غضب وانتقام الرب، بسبب ازدياد الفاحشة، وفق ما يُستنتَج من خطب البوطي في ما
أسموه بـ”فقه الأزمة”؛ أي أن هذا الخطاب سُخِّر بالكامل لتمجيد النظام،
وتنصيبه كداعم أوحد للإسلام الصحيح. ومن الواضح أن لهذه الأيديولوجيا الدينية
تأثير إيجابي بين الفئات المتوسطة في مركزي مدينتي حلب ودمشق، حيث أن أثر
التحديثات الليبرالية الجديدة لم تبلغ مراكز تلك المدن بنفس الدرجة التي بلغتها في
الأطراف، الأمر الذي يفسر انجذاب الدمشقيين والحلبيين وحدهما لهذا الخطاب، فيم
انقلب عليه ونبذه معظم أهالي المدن الأصغر، كحمص مثلاً، والأرياف السورية عموماً.

اتسمت الثورة مع اندلاعها بالشعبية والسلمية
واللاطائفية، لكن النظام استحضر خطاباً يقدمه للمتخوفين من التغيير، ليخدمه ريثما
يتمكن من إفراغ الثورة من مضمونها الشعبي، عبر صرفها إلى العنف والطائفية
والفئوية، وغالبية المتخوفين هم من الأقليات الدينية والعلمانيين والطبقة الوسطى
المسلمة، لذلك استحضر خطاباً يصف الثورة بالطائفية عارضاً صوراً لأشلاء يقشعر لها
الأبدان، كما استغل الشعور الوطني للشعب، فوصف الثورة بأنها مؤامرة كونية تستهدف
سورية لكونها في “محور الممانعة والمقاومة”، ولطالما اعتبر نفسه الوكيل
الحصري لهذه الممانعة. يجدر القول أن المعارضة السورية وبعض قوى الثورة، وبمساعدة
وسائل الإعلام التي دعمتها، خدمت أيديولوجية النظام هذه، عبر التحدث باسم الثورة
بلغة طائفية، وعبر استدعائها للتدخل الأجنبي، وتبعيتها لإرادة دول إقليمية وغربية،
ودعمها لجماعات أصولية دخيلة على الثورة، تمكنت تلك الجماعات لاحقاً من السيطرة
عليها بالفعل.

أما الخطاب الطائفي، فهو لم يقل به النظام
صراحة، لكنه احتاج إليه في بداية الثورة لتحفيز مؤيديه، من العلويين خصوصاً، لحثهم
على القتال إلى جانبه، خاصة مع بداية الثورة في حمص. وهنا استعان إعلامُه بخبراءَ
في تقديم الخطاب الطائفي من لبنان، أشهرهم رفيق نصر الله، لكنه خفف منه لاحقاً،
بسبب أن ذلك الخطاب لقي استهجاناً من مؤيديه من السنة.

تعامل معظم المهتمين بالثورة مع خطاب السلطة
بردود أفعال، وهو ما خدم النظام؛ فهم لم يفهموا حقيقة ذلك الخطاب، لكونه
أيديولوجيا تدعي “الحرب على الإرهاب”، وتغطي حقيقة النظام بوصفه نظاماً
شمولياً مافياوياً ينهب البلاد، ويستخدم القمع والوحشية وكل وسائل الإعلام
والإيديولوجيا المتاحة لحماية استمرار ذلك النهب.

وفي حين أن أكثر من نصف البلاد هي مناطق مشتعلة
ومدمرة، يعلن النظام انتصاره عبر التجديد لنفسه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة،
أي استمراره في القمع والنهب في الأجزاء التي يسيطر عليها، مقدماً ذلك بخطاب هزلي
يقول بانتصار “الديمقراطية في عرسها الوطني”.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *