الرئيسية / Uncategorized / من رآني فقد رآني..

من رآني فقد رآني..

ألكسندر أيوب

استيقظ من نومه هلعاً وكأنه الرضيع المبعد
عن صدر أمه، رد غطائه عن جسده، جلس على سريره يتصبب عرقاً شاخصاً بعينيه إلى زاوية
الغرفة مستذكراً تفاصيل تلك الرؤية التي باغتته في نومه، لم يعد أحمد قادراَ على
النوم بعد استعادة كل تلك التفاصيل وجهده عبثاً في فهمها!. لم يمنعه وصول عقرب
الساعة إلى الخامسة فجراً من إيقاض أمه، السيدة الطيبة التي غالباً ماتفسر أحلام
أولادها، وبخطوات سريعة اتجه إلى غرفتها، حيث أيقظها صوتُ خطواته وصرير الباب قبل
صوته، جلس إليها..، لم يخفف وجهها الطاهر وسؤالها اللاهف عن سبب قدومه من توتر
أحمد، فبادرها مسرعاً بصوت يفوح بالقلق وكأنه يريدها أن تصغي دون أن تتكلم، فقال:
أماه رأيت حلماً غريباً، رأيت سبعة جبال تهتز، منها ما وقع ومنها من ينتظر، ورأيت
جموعاً تجوب الشوارع والأحياء وكأنه الحشر، أفتيني أماه في رؤياي…؟

طال صمت الأم وهي تفكر في قول ولدها، مسحت على
رأسه وفي عينيها الخوف، قالت: “خيراً يا ولدي”، صمت أحمد منتظراً أن
تقول أكثر من ذلك، وعندما أيقن أن الأم لا تملك ما تزيده، ردد لسانه كلماتها دون
قلبه، واتجه إلى غرفته يُقلب رؤاه، مدركاً أن لها تفسيراً، حتى غلبه التعب فنام
وبقي حلمه صاحياً إلى أن أيقظه في الصباح.

قرر أن يسأل عن تفسير علّهُ يجد ما يخفف أرقه،
فكان أستاذه الجامعي أول الخيارات إذ يعتبره ملهماً له، قصده أحمد متفائلاً، وما إن قص عليه رؤياه حتى ابتسم أستاذه، وقال:
” لا أعلم ولكن يبدو الحلم فنتازياً”، أُحبط أحمد من جواب ملهمه وقرر
سرد الرؤية على أبيه الذي اكتفى بوصفها أضغاث أحلام، ثم على صديقه المثقف فإذا به يطلب
من أحمد أن يخفف طعامه قبل النوم. لم يبقى له إلا إمام مسجد الحي، والذي يراه
مثالاً للرجل المعتدل صاحب العلم والأخلاق، عله يجد لديه تفسيراً..، حدثه بما رأى،
طال صمت الإمام معلقاً عينيه بباب المسجد
وكأنه يتأكد أن أحداً لا يرى ولا يسمع، عدل جلسته كمن يرغب أن يبوح بشيء، قلب
مسبحته، مسح ذقنه ولم ينطق ببنت شفة، انتصب الأمام وما يزال أحمد جالساً، فقال:”
يا ولدي من أفتى بلا أعلم فقد أفتى”، ومشى تاركاً أحمد في تلك الحيرة يسأل
نفسه عن تلك الرؤية التي لا يعرف أحداً تفسيراً لها.. وما عساها تكون؟.

خرج من المسجد بخطى أثقل من رؤاه المبهمة، وفي
طريقه إلى المنزل لمح “المُخبر” المسؤول عن الحي، يلوّح نظره مع المارة
مع أنه يعرفهم أكثر من أنفسهم، ويُسلم سمعه الحاد لأحاديث الجالسين عله يجد زلة. فكر أحمد أن يسرد رؤاه على ذلك المخبر قائلاً
لنفسه، إن لم يجد لي تفسيراً فلابد أن يُجهد نفسه في البحث، فأحلام الناس هو
المجال الوحيد الذي لم ينبش فيه، وفي
الوقت ذاته أكون قد حملّته ذاك العبء وأزحته عن صدري، وبمجرد سماع المخبر لتفاصيل
الحُلم، انهال على أحمد بالأسئلة من كان معك في الحلم؟،وما ارتفاع تلك الجبال التي
رأيتها؟، وهل ميزت أحداً من الجموع في الشارع؟، أجاب أحمد بما تيسر من كلمات
مدركاً أن خُطته قد نجحت وأن محرك البحث بدأ بالعمل.

مرت الأيام ودارت الدوائر ولم ينسى أحمد
حلمه القديم، حتى مطلع عام 2011، حيث بدأ الربيع العربي في تونس ليحصد بن علي، ثم
مصر ومبارك، فليبيا وملك ملوك إفريقيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن السعيد وغيرها
من البلدان..، وفي سوريا كان أحمد بين تلك الجموع في درعا يمشي حيث مشوا ويهتف بما
هتفوا.. ، وهناك رأى أستاذه الملهم، اتجه إليه مسرعاً يريد تذكيره بالرؤية، فأجابه
بصراخ حيث صوت الحاضرين أقوى من أي صوت، ” لقد راودني هذا الحلم مذ كنت
شاباً، ولكنّي لم أجد لتحقيقه سبيلا”، التفت أحمد مستغرباً!، متأكداً أنا ما
يراه حقيقة، وإذا بإمام المسجد يهتف بقربه،
بدأ يبحث بين الجموع عمن حدثهم بالحلم فإذا بصاحبه المثقف يرفع لافتة قماشية خط
عليها،(هُناك من سبقت خُطاه خُطايّ , من أملى رؤاه على رؤاي
..هناك من نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية أو يضيء لمن سيأتي
بعده أثراً غنائياً..وحدساً
).

أدرك أحمد أن الجميع قد
راودهم نفس الحلم منذ زمن بعيد و لم يستطع أحد البوح به، ولكنهم اليوم استطاعوا
تحقيقه..، ركض بين الجموع يشاركهم حلمهم، فإذ بالمخبر يقف في زاوية عالية مطله على
الجميع وهو يبتسم ابتسامه خبيثة، ويملأه الحماس..، استغرب أحمد!، فاتجه إليه سائلاً
إياهُ، حتى أنت راودك الحلم؟، ضحك المخبر مستهزئاً، ” يا أحمد أنا لم يراودني
الحلم فحسب، بل عرفت أنه راود الناس جميعاً، ولكن غلبني صمتي منتظراً تحقيقه علّي
أجد عملاً أدسم، فقد مللت من التلصص على العشاق ومراقبة الهواء،ومطعم الفلافل،
فالمهنة قد انحدرت..، أما اليوم أرقب السياسيين والشباب الثوري أمثالك والمتدين و المثقف، نظر أحمد من مكان المخبر المرتفع لم تتسع عيناه الصغيرتان تلك
الجموع، لم يكن يدرك أن كثيراً منهم سيدفع حياته ثمناً لهذا الحلم، ولكن كان على
يقين بأن الرؤية ستتحقق فالحرية “كالحلم على جناح الطير إذا فُسر وقع”،
وكالنبي في الرؤيا لا يتمثل به أحد،” فمن رآني فقد رآني”.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *