ناصر علي – دمشق
عاشت السينما السورية بشقِّها العام الذي أدارته المؤسسة العامة للسينما فترة ذهبية مع أعمال كبيرة، (أحلام المدينة، الليل) لمحمد ملص، اللذين حصدا جوائز في مهرجانات عربية وإقليمية، وكذلك فيلمي عبد اللطيف عبد الحميد (ليالي ابن آوى، صعود المطر)، هذه المرحلة التي نهضت فيها السينما السورية في فترة لا تتجاوز عقدين انتهت قبل دخول الألفية الأخيرة، فبعد هذا الصعود المتألق عادت مؤسسة السينما لاحتكار الفيلم السوري لمصلحة بعض المخرجين المقرّبين من مدير المؤسسة، ودخل الوسط الفني السينمائي أسماء كانت تعمل ككوادر إنتاجية ليس لديها الخبرة الكافية والموهبة الفنية الحقيقية، فاعتمدت المؤسسة بحجة عدم توفر الإمكانيات المادية على إنتاج فيلم واحد، لدخول مهرجان سينمائي تستطيع أن تثبت من خلاله أنها على قيد الحياة.
أسامة محمد ومحمد ملص آخر رجالات السينما السورية الذين فروا من البلاد تحت ضغط مؤسسة السينما التي حاصرتهم برقابتها واحتكارها للمخصصات المادية لمصلحة مخرجي النظام الذي يصوّرون حسب الطلب، وهكذا أصبح مخرجاً مثل عبد اللطيف عبد الحميد، صاحب أكثر إنتاجات المؤسسة في الفترة الأخيرة، ناهيك عن تولّي محمد الأحمد إدارة المؤسسة العامة للسينما كديكتاتور، فكان أن حيّد جميع فناني الصف الأول بأوامر من سلطته السياسية، كما انتكس مهرجان دمشق السينمائي في عهده، هذا المهرجان الذي رصدت له وزارة الثقافة في السنوات العشرين الماضية جُل الميزانية المقدمة للمؤسسة العامة للسينما.
وخلال 10 أيام كان المهرجان يكلف المؤسسة بحدود 100 مليون ليرة سورية يتم من خلالها سرقة الأموال المرصودة لطباعة المنشورات واستقبال الضيوف الدائمين وذلك بما يقرب من نصف المبلغ المرصود.
وفي السنوات الأخيرة صدرت نداءات بإلغاء المهرجان لمصلحة تنشيط دور المؤسسة في الإنتاج، ومحاسبة مدير المؤسسة ومدير مهرجانها محمد الأحمد على اختلاسات وسرقات، إلا أن هذه الأصوات غابت بعد الصراع الدموي في سوريا.
رصاصة الرحمة..
منذ أكثر من 15 عاماً لم يعد في دمشق صالات سينما حقيقية فقد أكل الدهر عليها، وشرب باستثناء سينما “فندق الشام”، وسينما “سيتي دمشق”، التي لم يدم لها العز لأكثر من عامين فتحوّلت الآن إلى عقار مغلق.
باقي الصالات مازالت تعيش على أفلام أيام زمان، وبالكاد حسبما يقول مدير إحدى هذه الصالات بقلب العاصمة: ” لم نعد نستطيع دفع أجور العمال وقلصناهم من 5 إلى 3 عمال والآن إلى عامل واحد يقوم بالتنظيف.”
وبدوره يضيف مدير صالة أخرى قائلاً: “لا أستطيع أن أدفع الآن ثمن فواتير الكهرباء والماء، والجمهور الذي يدخل الصالة لا يتجاوز في اليوم عدد أصابع اليد الواحدة.”
وفي جولة لصدى الشام على صالات السينما في دمشق والتي يبلغ عددها 13 صالة، يتضح أنه يعمل منها فقط سينما الكندي التابعة لوزارة الثقافة وبعروض لأفلام قديمة، بينما توقفت سينما الشام وسينما سيتي، أما الأهرام، وديانا، ودنيا بالكاد يدخلها زبائن، وأوغاريت مغلقة ببسطات وبضائع بسيطة لمواطنين ورجال أمن.صالتا الزهراء والسفراء شبه متوقفتين عن العمل، وتستقبل أحياناً بعض عروض مسرح الطفل في العطل المدرسية والمناسبات.
عاشت السينما السورية تاريخاً ذهبياً وخصوصاً في السبعينيات حيث كان لدور السينما مريدوها الذين يحافظون على مواعيد الحضور، أما اليوم وبفضل أجهزة الأمن ورجالها من مخرجين فتصل السينما السورية للاحتضار، وتنتظر من يطلق رصاصة الرحمة على موسم السينمائي فيلماً وعرضاً؟.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث