أحمد العربي
لم يختلف وسط دمشق التجاري عمّا عهدناه سابقاً، فلا
تزال أسواقها تعجُّ بالمارة وإن أصبحت بضائعها للفرجة فقط وليست للشراء، فلم يعد
السوريون يكترثون إلا للقمة العيش الصعبة المنال في هذه الظروف.
لم يختلف في شوارع دمشق شيء سوى الزحام بالناس
وبالسيارات نتيجة النزوح الداخلي، فلم يعد هناك من متسع لتسير في الشارع، ولا مقعد
فارغ في أية وسيلة للنقل، لذا تضطر أن تمارس رياضة” أربعمئة متر حواجز”
بالسير على الرصيف قافزاً فوق العشرات من البسطات التي أصبحت عنوان النظام
الاقتصادي الجديد، والتي باتت تملأ الأرصفة بحيث لا يمكنك السير إلا قفزاً.
تحسب خطواتك على تلك الأرصفة تشعر أنها باتت مكاناً
مخصصاً لمن اختار النأي بالنفس والتزام الحياد، وكأنها شاطئ أمان يبعدك عمّا في
الشارع السوري من تيارات قد تجرفك إلى حيث لا تعلم وتحكي واقعاً مريراً يعيشه
السوريون. فتلاحظ بمرورك مَشاهدَ لم تعهدها سابقاً في سوريا, ففي كل متر تجد عائلة
افترشت الأرض وأطفالاً بمختلف الأعمار ينامون بجانب أم ترفع صوتها طالبة مساعدة
المارة شارحةً مأساتها ونزوحها من إحدى المناطق الثائرة، وأطفال يلاحقونك كأجهزة
الأمن المسعورة يطلبون عشر ليرات للخبز، وعجائز يمنعهن كبر السن من النطق فيكتفين
بمد اليد إليك فقط. لا تعرف وأنت تسمع ذاك الضجيج من عبارات التسول أيهم الصادق
والمحتاج؟ وأيهم الكاذب الممتهن التسول؟
تفلت منهم لتأخذ استراحة تشاهد فيها بعض ما تعرضه
تلك البسطات التي يتخصص كل منها بسلعة، فمن الألبسة إلى المنظفات والكتب، فالأجهزة
الكهربائية، هذه الكثرة والتنوع ليست مستغربة فأصحاب البسطات لهم أنواع، فمنهم من
فقد محله في أحد الأحياء المحاصرة فلم يجد بديلاً سوى افتراش الرصيف ببضاعته لكسب
الرزق، ومنهم أصحاب البسطات التقليديون وهم” رجال الأمن” فهي مهنة قديمة
يزاولونها خارج أوقات الدوام الرسمي .
تنظر إلى البسطات فقط، ولا تشتري شيئاً منها لأن ما
فيها يذكرك بجلسات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا، والفيتو فكل ما فيها هو بضائع
صينية، ناهيك عن البائعات الروسيات اللاتي يحجزن أفضل الأماكن، وكأن النظام
يكافئهن على موقف بلادهن. تتابع طريقك لتسمع لغة غريبة يتحدثها بعض الباعة في جزء
من الرصيف، لتكتشف أنهم من” الكرد” الذين أعلنوا حكماً ذاتياً على جزء
من الرصيف. تكمل طريقك لترى تجمعاً من النساء ينبشن كومة من اللباس المستعمل الذي
كان يسمى “بالبالة “أما الآن فبات يسمى “ألبسة أوربية” تقف
لتستمع إلى محاضرة في فن التفاوض بين إحدى النساء والبائع، توظف فيها كل مأساة
سوريا لتخفيض السعر بمقدار خمسين ليرة، فالمرأة تدّعي النزوح، ويرد البائع بالمثل،
ليتحوّل الحوار بينهما إلى دراما تبكي من يستمع لها.
لكن يبقى الاستماع إلى هذا الحوار خير من الأغاني
الهابطة، التي يضعها بائع بسطة في مدح النظام، أو أغاني شيعية بمختلف اللهجات
لبنانية ،عراقية، وحتى باللغة الفارسية. تصل إلى نهاية الرصيف وكأنك خارج من معركة
فلا بد من أن تتلقى بعض الإصابات الخفيفة الناتجة عن لكمة من هذا أو نعرة من ذاك،
تنظر إلى حذائك فلا تتذكر ما كان لونه من كثرة الدهس عليه لكن هذا لا يهم فالمهم
أن تتحسس جيبك لتتأكد أن محفظة نقودك لا تزال موجودة. فعبارة احذر النشالين باتت
تشاهد أكثر من صور” بشار الأسد”. بعد تلك الرحلة الشاقة تشعل سيجارة
لتدخنها. وأنت تحلم، لا أن يكون لديك سيارة لتتجنب المشي على الرصيف، بل تتمنى لو
كان لديك ما يكفي من المال لشراء علبة ريدبول” ليعطيك جوانح” لتطير بها
فوق أرصفة دمشق وتتجنب هذا الشقاء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث