عبد القادر عبد اللي
اعتاد الصحفيون
الإيرانيون –منذ اندلاع الأحداث في سوريا- عند أي لقاء تركي-إيراني رفيع المستوى
أن يُطلقوا نشيداً جماعياً لا نشاز فيه على طريقة صحافة الدول الديمقراطية العريقة
السورية والكورية الشمالية والكوبية الرسمية، وعادة ما يتغنّى هذا النشيد بالنّصر
المؤزّر الذي حققته الثورة الإسلامية على أرض سوريا، والهزيمة النكراء التي
تكبدتها تركيا فيها، وإن الزيارة هي زيارة استسلام لتركيا أمام المنتصر الإيراني.
وبات من الطبيعي إلغاء
المؤتمرات الصحفية من برامج الزيارات لأن الصحفيين المنتمين إلى هذه الديمقراطيات
العريقة المذكورة أعلاه يمكن أن يصدّقوا أنفسهم، ويطرحوا أسئلة خارج النص، ويُفسد
الجواب الطبخة التي سيأكل منها الطرفان.
أثناء زيارة روحاني لتركيا
في الأسبوع الماضي، ركّزت الصحافة الإيرانية بإلهام إلهي واحد على تجذُّر العلاقات
الإيرانية-التركية، وتطورها المستمر خاصة بعد مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم
في تركيا، ولم تهمل التذكير بعبارة أرضوغان الشهيرة في دافوس: “One
minute“،
واتهامه الرئيس الإسرائيلي بارتكاب إرهاب دولة، ومبادرة تركيا في أسطول الحرية من
أجل خرق الحصار على غزة، وسقوط شهداء أتراك، لكن هذه العلاقات تعرّضت إلى “وعكة
خفيفة” بسبب الموقف من المؤامرة الكونية على سوريا، سبحان مغيّر الأحوال!!
لم تتضمّن الزيارة
جديداً فقط، بل هناك ما هو قديم أيضاً. فقد بقيت إيران متشددة في إلغاء زيارة قبر مؤسس
الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك العلماني الذي يفرضه البروتوكول الرئاسي
التركي لأن العلمانية حرام يستوجب القتل في عقيدة حكام إيران كما هو حرام يستوجب
القتل في عقيدة داعش وأخواتها، وتنازل الأتراك بإسقاط هذه الزيارة من البروتوكول
الخاص بزيارات رؤساء الدول إليها، مما أفسح في المجال لزيارة الرئيس الإيراني
أنقرة زيارة رسمية بعد انقطاع دام ثمانية عشر عاماً. ولم يُستغرب التناقض الشديد
في الموقف الإيراني برفض زيارة مؤسس الجمهورية التركية، ومؤسس حزب الشعب الجمهوري
على الرغم من العلاقات القوية التي تربطها بهذا الحزب، وتناغمها معه خاصة في
القضية السورية، وموقف الحكومة التركية منها.
ليست القضية السورية
وحدها هي موضوع الخلاف الإيراني التركي، بل هناك قضية اقتصادية كبرى حول أسعار
الغاز الطبيعي الذي تستورده تركيا من إيران، والخلاف بين الدولتين وصل إلى التحكيم
الدولي، وفيما لو كسبت تركيا القضية ستخسر إيران مليارين إلى مليارين ونصف من
الدولارات في هذه القضية بحسب تقدير الخبراء الاقتصاديين الإيرانيين.
وأبرز إعلام الولي
الفقيه أن هذه الزيارة يمكن أن تقطع الطريق على التحكيم الدولي، وتحل هذه القضية
بشكل ودِّي بين الجارين!
من الواضح أن الرغبة
الإيرانية في نجاح الزيارة كانت السبب المباشر وراء صمت جوقة الصحافة الإيرانية
الملتزمة. وهذا ما حدث، فقد وُقّعت اتفاقيات اقتصادية عديدة تستهدف رفع حجم
التبادل التجاري إلى عشرين مليار دولار سنوياً، وهذا نجاحٌ كبيرٌ تحتاجه كل من
تركيا وإيران على حد سواء. فتركيا تراجعت اقتصادياً بعد الأزمة السياسية العنيفة
التي هزتها قبل نحو عام بسبب تسمية جسر البوسفور الثالث “جسر السلطان سليم
الجبار/ الأول” الذي هزم الإمبراطورية الصفوية، وقتل الشاه إسماعيل، ولم يُخف
هذا الأمر يومئذ حيث عُلِّقت صورة ضخمة لسيدنا علي بن أبي طالب على واجهة مركز
أتاتورك الثقافي، ورفعت لافتات ترفض تسمية الجسر باسم “قاتل العلويين”
بحسب تسمية تلك اللافتات. أي أن الخلل الاقتصادي التركي كانت سببه إيران، والآن
تلعب إيران دوراً في ترميم الوضع الاقتصادي التي كانت وراء تدهوره.
ساهمت أحداث العراق
التي انفجرت في اليوم الثاني لإنهاء الزيارة بوقف الكتابات عن زيارة روحاني إلى
تركيا، والالتفات إلى أحداث العراق، خاصة أن هناك رهائنَ أتراكاً بينهم عائلات،
لديها أطفال. وبما أن أي حدث يحدث في دول الممانعة لابد أن تكون وراءه مؤامرة، فلا
بد من عودة التوتر الإعلامي بين البلدين، فالشعب العراقي ممانع، ويصطف صفاً واحداً
وراء الإمام الفقيه، ولا يعاني من أية مشكلة لولا المؤامرة… من وراء هذه
المؤامرة؟ طبعاً لابد أن تكون تركيا وراءها.. فالولايات المتحدة قدّمت دعمها
السياسي لرجل الولي الفقيه في العراق ضد المتمرّدين، حتى إنها لوّحت بتقديم دعم
عسكري له، فهل من المناسب أن يعتبرها ضد الممانعة؟ لا، فالولايات المتحدة ممانعة
في العراق، وممانع ضدها في سوريا.
ولكنّ الصَّحافةَ الإيرانيةَ التزمت الصمت في
هذا الموضوع أيضاً، وأوكلت الأمر للناطقين باسمها من أنصار المالكي في العراق،
ووصل بهؤلاء اعتبار الرهائن الأتراك لعبة تركية من أجل أن تبعد الأنظار عنها لأنها
تدعم الإرهاب!
هذا أمر غير معقول؟
بسيطة، نصدر فتوى نحلُّها. وهناك سابقة في هذا الأمر، فقد أفتى زعيم ما يُسمَّى
الثورة الإسلامية الخميني فتوى بجواز استيراد الأسلحة من إسرائيل وأمريكا (الشيطان
الأكبر) أثناء الحرب العراقية الإيرانية من أجل محاربة ذيل الشيطان الأكبر (نظام
صدام حسين)، والتزم بها الممانعون جميعاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث