لماذا الاحتفالات بنتائج
الانتخابات السورية، المبالغ فيها؟ لماذا لم تظهر هكذا مظاهر احتفالية عندما دخلت
قوات النظام إلى القصير أو إلى يبرود؟ علماً أن الدخول العسكري إلى هذه المناطق
يعد أهم من الناحية المنطقية، ومن الناحية العملية، إذ إنه يؤمّن بقاء الأسد في
الحكم أكثر من مجرد انتخابات.
والسبب
المنطقي في ذلك، أن الانتخابات التي يفوز بها الرئيس هي عمل مكرر من زمن طويل، أي
إنها عمل اعتيادي لا يحمل أي مفاجأة، إلا انخفاض نسبة الفوز، حوالي عشر درجات.
أما التحدي
العسكري للرئيس وللنظام فهو أخطر عليه، ويعدُّ حركة جديدة، غير مكررة، تحمل
في طياتها المفاجآت. ومع هذا كانت الاحتفالات بالانتخابات أشد من الاحتفال بالفوز
العسكري. هذه المفارقة تطرح بعض الأسئلة.
الثنائية القديمة
الاحتفال بعيد ميلاد شخص عادي أو هام، هل يعدُّ
جائزة نقدمها له، أم هدية؟
إذا استخدمنا مفهوم “السلطة” لتأسيس فهم
الفرق أو التدرج بين الجائزة والهدية، نستطيع أن نصل إلى أن الهدية سواء قدّمها
أضعف إلى أقوى، أم قدمتها جهتان متساويتان بالقوة، أم قدمتها جهة أقوى إلى جهة
أضعف، فإن الهدية مرتبطة بمعيار اعتباطي، متعلق بالشخص الذي يقدمها.
أي إنها تعبر عن صلة أو قناة تواصل ممكنة فحسب، ولا
تعطي أي قيمة للسلطة، فهي إذاً خارج مفهوم السلطة ومقياسها. بل إنها تكتسب قيمتها
من درجة السلطة التي تمنحها، لا العكس. عندما تأتي الهدية من سلطة أعلى تصبح أهم.
الهدية إذاً غير معيارية، إنها تتعلق بالمناسبة، أو المصادفة أو الرغبة، ولا تتعلق
بتقييم أو تحقيق معيار، بذلك هي لا تقيم مقياساً، أي أنها لا تفرز. وهي تبعاً لمن
يقدّمها تظهر بوجهها المحب الذي يمنح، أو الخائف الذي يسترضى.
أما الجائزة، فهي على عكس الهدية، لا تمنح إلا لجهة
حققت معايير معينة، ومن قبل جهة يحق لها أن تقيم تحقيق هذه المعايير. أي إن
الجائزةـ تؤسس مباشرة لفرز وتفاوت وقياس، وتؤسس لسلطة مباشرة، من خلال المانح الذي
يمثل السلطة، والممنوح الذي يكرس هذه السلطة بقبوله الجائزة، ويكرّس علاقة السلطة،
بتحقيق التفاوت عن أقرانه.
الهدايا يمكن أن تمنح للجميع في الوقت ذاته، أي إنها
تقبل الجمع، بل إن حالة الجمع (هدايا) هي الأصل ومنها يتفرع المفرد، أما الجائزة
فإنها لا تقبل إلا المفرد، فهي لا تمنح إلا إلى مفرد (ولو كان مؤسسة أو شعباً)
لأنها حالة مفرد، لا تمنح إلا بنقطة واحدة، ولا يمكن أن تمنح بالتزامن في حالة جمعية كما الهدايا.
إذاً: الفرق بين الجائزة والهدية هو ليس السلطة، ليس
المعيار والقياس، وإنما ما يمنحهما تمايزهما هو: أن “مفرداً” فقط يستطيع
أن يحقق معياراً ما. ومن هذا “المفرد” الذي يبدو طبيعياً، أي أساسياً
لكل بديهة، تتأسس علاقات السلطة، والتقييم والمعايير. عندما يميل المقياس
“الفردي” باتجاه أن الجميع يحققون معياراً ما نكون أمام هدية، أما لما
يميل المقياس “الفردي” باتجاه تنافس، أي تفردن وفردية واحدة غير قابلة
للجمع ضمن سياقها، نكون أمام جائزة.
وهكذا فما يقدم في عيد الميلاد هدية، لأنه معدوم
“التفردن“.
الانتخابات جائزة أم هدية؟
طبعاً ضمن التحليل السابق هي جائزة، لكن هنا دعونا
نستحضر جميع الخطابات التي كانت تظهر في سوريا، كان الاستفتاء أو الانتخاب أو أي
شيء من هذا القبيل، الذي يمثل العلاقة بين السلطة السياسية والشعب، يظهر كهدية من
الشعب إلى السلطة، لا باعتباره جائزة يفوز بها المرشح الفلاني لأنه يحقق معايير
أعلى من غيره، بما يرضي الشعب، لماذا؟
هذه الحقيقة تؤكّد التحليل السابق، السبب هو أن
الجائزة تمنح من مصدر السلطة، ومصدر التقييم بالتالي، رغم أن هذا المصدر يمارس
الانتخاب، أي أنه يمارس التقييم، إلا أنه يجب أن يقف عند حدود التمثيل، دون أن
يعرف ماذا يفعل حقيقة؟ يمنع عليه أن يعرف أنه مصدر السلطة، بل إنه يقدم الجائزة
ويدركها كهدية، وهنا تبرز قوة السلطة القمعية تماماً، إنها ـ كما كان الملك يأخذ
حقه من الإله ـ تأخذ حقها من الشعب بالطريقة ذاتها، عن طريق التمثيل.
الانتصار العسكري هو ما يستحق فعلاً الجائزة
(الانتخابية) لا عملية الانتخاب التي جرت، لأنه بكل بساطة يخضع لتقييم معياري
حقيقي واضح، وهو أخطر على السلطة من الانتخاب الذي يجري.
الآن: هل نستطيع أن نفهم لماذا كانت الاحتفالات
بالانتخاب أضخم بكثير من النصر العسكري في حال حصوله؟
لأن الانتخاب كان عليه أن يؤدّي الوظيفة السابقة
للسلطة القمعية، التي تعجز عن تحقيقها الانتصارات العسكرية، كما قد نتخيّل، النصر
العسكري لا يحقق وظيفة السلطة القمعية، لأنه يخضع لمعيار ومقياس واضح، هذا المعيار
تتقاسمه بالتّساوي السلطة القمعية وأعداؤها، أما الانتخاب الصوري التمثيلي، فهو
يؤسس المقياس في يد هذه السلطة، ويلغي كونها تخضع للقياس بل هي من تضع هذا القياس
ومعاييره، فهي لا تُمنح جائزة، إنها تمنحها للغير.
الانتخابات وإجبار المعارضين والنازحين على
الانتخاب، هو إعادة تكريس السلطة القمعية، ونعتقد أنَّ النظامَ قد نجح بدرجة كبيرة
في إعادة تفعيل سلطته هذه، وهي لا تؤدي دوراً رمزياً، بل تجد مستقرَّها الفعلي
والعملي الواقعي، في اللاوعي الجمعي.
وفي القانون
الدستوري، وتعرِّي القتال العسكري من قدرته على منافستها، وتحجمه إلى كونه مجرّد
منافسة لا يستطيع أن يلغي امتلاك المقياس المعياري واستخدامه.
نعتقد أن الانتخابات هي الهزيمة الأكبر التي مُنيِتْ
بها المعارضة السورية، لأنها قلّصت الصِّراع من ثورة إلى مجرّد نزاعٍ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث