محمد نجدات حاج بكري
مع تقدُّم عمر الثورة وتصاعُد حرب النظام الممنهجة
عليها كانت تعلو الأصوات المطالبة بفتح جبهة الساحل، يعود هذا إلى عدم نجاح الطرق
العسكري الأخرى المتبعة في إنهاء سقوط النظام، وإدراك أهل الثورة أكثر من قبل أن
هكذا نظام فئوي البنية مركزي طائفياً وجغرافياً، لا يسقط بضربات بعيدة عن المركز (الساحل
ودمشق) مهما كانت هذه الضربات مؤلمة وفيها تضحيات ودماء، مما يزيد من الدمار
والتهجير والحرمان في مدن وأرياف الداخل بينما ينعم الساحل بكل متطلبات الحياة إذا
ما استثنينا قوافل التوابيت المحملة بفدائيي حذاء الأسد.
رغم المطالبات المبكرة لفتح الجبهة إلا أنه كان يتم
تجاهل الأمر أو التقليل من أهميتها ممّن يديرون لعبة الدعم والتمويل المسيطرة على
الكثير من مفاصل الثورة عسكرياً.
في السنة الأخيرة صيف 2013 حُرّكت الجبهة (معركة
عائشة أم المؤمنين) في ريف اللاذقية المتاخم لجبل الأكراد بعد عام وعدة أشهر على
تحرير الجبل بالكامل وأجزاء كبيرة من جبل التركمان، وبإعتقادي معظمنا بات يعلم
ملابسات المعركة بوجود داعش آنذاك، وما آلت إليه من نتائج والعودة للخط السابق
للجبهة رغم التضحيات العظيمة التي قدّمها شباب الجبل مع أخوتهم الكثر من شباب مدن
الساحل المحتل (اللاذقية جبلة بانياس والحفة) خلال أسبوعين من الاشتباكات الطاحنة
والقصف الجوي والأرضي على مدار الساعة، وقد تكبد النظام خسائر بشرية بالمئات إن لم
نقل بالآلاف بين شبيحة وعناصر حالش.
بعد المعركة بدأ السؤال عن الأرباح والخسائر على
الصعيد العسكري والصعيد السياسي خصوصاً، رغم الاختلاف في بعض التفاصيل أو كثيرها
لم تهدأ الأصوات المطالبة بفتح الجبهة، من حيث المبدأ لقناعة الثوار والسوريين
المؤيدين للثورة أنها مربط فرس النظام (لا أقصد بكلامي الكثير من المعارضين
السياسيين الذين لهم رأي آخر معلن أو مبطن)
في منتصف ربيع 2014 دون مفاجأة وبعد تحضير محكم أُعلن
عن بدء معركة الأنفال في جبل التركمان وبلدة كسب أقصى شمال غرب ريف اللاذقية،
وتمكنت قوات المعارضة من تحرير معبر كسب، وهو المعبر الأخير للنظام مع تركيا،
والوصول إلى شاطئ المتوسط في سابقة جديدة في الثورة لما تمثله من بداية للسيطرة على الشاطئ
السوري، بالإضافة إلى السيطرة على بعض القرى المجاورة والنقاط العسكرية
الاستراتيجية، ومازالت المعارك مستمرة بين كرٍّ وفرٍّ على محاور هذه القرى والنقاط
إلى يومنا هذا مع تراجع ملحوظ لتقدم قوى المعارضة لأسباب سياسية وعسكرية واستقدام
النظام لحشود كبيرة ومرتزقة وزيادة التعبئة الطائفية.
عندما ننظر بموضوعية إلى هاتين المعركتين بالإضافة
إلى العديد من المناوشات والمعارك الصغيرة خلال العامين الماضيين، سنسأل أنفسنا:
لماذا لا تكون هناك معركة واحدة وزحف ما أمكن من ثوار سوريا إلى الساحل مما يخلخل
النظام، ويفرض واقعا على حاضنته يجبرها على حل بدون زمرة الأسد على الأقل،
والإطاحة به قبل أن يلتقط أنفاسه، ويعيد شحن أتباعه من جديد في كل المناطق المؤيدة
له بوهم قدرته على الاستمرار والقضاء على ثورة ” الإرهاب” خاصة وأن معظم
قوى المعارضة المقاتلة إسلامية ( وهذا ليس مصادفة بطبيعة الحال).. مما سيطيل عمر
الثورة، ويزيد من معاناة المدنيين ويرفع من عدد شبابنا الشهداء والجرحى على درب
الخلاص من النظام، ويزيد المخاوف المحقة من تقسيم البلاد والانقسام المجتمعي
الجغرافي القائم، والشعور بعدم إمكانية التعايش الذي يزداد بعد كل معركة لا تطيح
بالنظام فيتلقى النظام المعركة بمنطق: (الضربة التي لا تقتلني تقويني)
من هنا تظهر حساسية معركة الساحل على أهميتها، فهي
معركة لا تحتمل أن تكون تكتيكية، تُحرًّك، وتُجيَّر لحسابات دولية وإقليمية، أو
لتسجيل نقاط متبادل بين المعارضين الأشاوس.
إنها معركة استراتيجية بامتياز، من
هذا المنطلق كان يجب التعامل مع المعركة من زمن من الجميع خاصة قبل الضربة الأعنف
التي تلقتها الثورة بخروج الثوار من حمص (الحديقة الخلفية لدولة الساحل المزعومة)
فمصير سوريا كدولة وكيان متعلق بالوصل بين ساحلها وداخلها، حتى خارطة المنطقة
جيوسياسياً مرهونة بنتائج هذه المعركة على ضفة العاصي وصولاً لدمشق، والتقسيم قد
يصبح أمراً واقعاً حتى وإن بقي اسم سوريا دولة على الورق بحيث تصبح _أو تبقى بمعنى أدق_ كانتونات كل منها تابع
لقوى ومصالح خارجية، ولن تكون المناطق الداخلية موحّدة بالطبع، لأن سرطان الثورة
(داعش والقاعدة) سيجعلون منه أقاليم متقاتلة مفككة شرق دويلة الساحل، وكلا الطرفين
يبرر وجود واستمرار الآخر رغم العداء الظاهر بينهما كالحال بين حزب الله وإسرائيل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث