رانيا
مصطفى
نجح
النظام في الوصول إلى لحظة الانتخابات، وأتمّها كما يريد، وسط تفاجؤٍ كبير
لمعارضيه، من النخب السياسية والثقافية خصوصاً، بإقبال الشعب على الانتخابات، وإن
تعرضوا للابتزاز والتهديد. تلك النخب تصرُّ على اختصار الثورة بموقف أخلاقي وحسب،
وما تزال تتعامل مع الواقع بتعالٍ “أخلاقي”. هي بذلك تتنصل من مسؤوليتها
عن فشل الثورة، أي فشلها هي في خلق البديل السياسي الذي يعبّر عن مطالب الشعب؛ تلك
المطالب التي لم تفهمها هي أصلاً، واختصرت الأمر بمطالبها هي حول حرية التعبير،
وديمقراطيةٍ ضعيفة تَتَداول النخب السياسية الحكمَ عبرها.
أبدت
الانتخابات الأخيرة مدى قدرة النظام على ضبط المناطق الخاضعة لسيطرته، إذ تمكّن من
إجبار جزء كبير من الشعب على انتخابه، ولم نلحظ أية حادثة اعتراض تُذكر، حتى في
المناطق التي خرجت ضده في السابق؛ هذا يدل على أن النظام تمكّن بالفعل من إخضاع
الشعب؛ وهو يسعى، عبر تكثيف عملياته العسكرية في كل المناطق الخارجة عن سيطرته،
إلى إخضاعها، وإجبارها على الموافقة على هدنه. لكنه ينجح في ذلك نتيجة فشل الثورة
في إنشاء أية آلية عمل استراتيجية على كامل البلاد، ما جعل تلك المناطق في متنازع
كل من داعش في الشرق، والجبهة الإسلامية بمؤازرة النصرة في بقية البلاد، وهي
المحكومة والتابعة كلياً للإرادة السعودية، ومن خلفها الأمريكية. وبالتالي هناك
يأس عام لدى الشعب من متابعة الثورة، نتيجة خروجها من أيدي الحاضنة الشعبية لها،
ما جعل فئات كثيرة عارضت النظام، وبعضها حمل السلاح في وجهه، إلى العودة إلى
“حضن الوطن”، وربما القتال في صفه أيضاً، حفاظاً على حياتها.
ويمكن
للمتابع للحظة إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، ومن ملاحظة كمية الرصاص التي غطت
سماء سوريا بالكامل، أن يعرف أعداد الشبيحة الهائلة التي توجد في مناطق النظام “الآمنة”،
وليس على الجبهات، والتي مهمتها فقط ضبط تلك المناطق، ومنع أيِّ تحرك فيها؛ بينما
يتولّى مهمة القتال كتائب عراقية ولبنانية بالكامل، مع ما تبقى من الجيش. لكن
الاحتقان الشعبي لا يزال قائماً، وما يمنعه من العودة إلى التفجر من جديد هو اليأس
من القدرة على التغيير؛ هذا اليأس من الثورة تتحمّل إثمه النخب التي تحدثنا عنها
أعلاه.
النظام
لا يمكنه أن يعيدَ الاستقرار إلى البلاد حتى لو تمكّن من التهدئة كلياً. فأسباب
الثورة ما تزال قائمة، بل زادت، ورغم أن الشعب يخاف القمع، لكنّه دوماً يصل إلى
تلك الدرجة من الضيق واستحالة الحياة، بحيث يتحدّى السلطة وقمعها، ويقلب قوتها
ضعفاً من جديد.
هنا
نواجه رأياً سائداً يقول بعجز الشعب عن التغيير وحده، وبالتالي هو يحتاج إلى
مساعدة خارجية من دول أخرى؛ ويرى هؤلاء أن فشل الثورة هو في فشل المعارضة عن إقناع
الغرب ليتدخل مباشرة، أو يقدم المساعدة عبر التمويل والتسليح.
هذا
الرأي لا يؤمن بقدر الشعب، ولا يرى ثورته بالأصل، إلا مسبباً لارتكاب النظام
الانتهاكات، ويصرُّ منذ البداية على تصوير الغرب الإمبريالي مؤسسات خيرية وإنسانية،
تحمل قيم الحداثة في الحرية والديمقراطية، وهدفها هو نشر هذه القيم في الدول
الأخرى.
والواقع أن هذه الدول لا ترى إلا مصالحها في
كيفية تقاسم السيطرة على العالم، ونهبه، من أجل الخروج من أزماتها الرأسمالية،
وبالتالي كل ثورات الشعوب هي ليست في مصلحتها، وهي إن قالت بدعمها، فليس ذلك إلا
بنيّة السيطرة عليها وتطويعها لمصلحتها.
وهناك
من يقول إن الشعب لا يمكن التعويل عليه لأنه لا يملك وعياً سياسياً، ويعجز عن
التضامن والتآزر لنصر الثورة، ويستشهد بممارسات بعض الكتائب في السرقة والنهب،
وبموافقة بعضها الآخر على هدن النظام، وبعودة بعض المقاتلين إلى صفوف النظام.
بالتأكيد أن كل ذلك حدث بالفعل، وكله صحيح نسبياً، لكن هذا الرأي يتنصل من دور
النخب هنا في إيجاد آلية أو تنظيم لحشد الشعب ومعالجة مشكلات الثورة والعمل معها
كجسد واحد. هذا يُفترض أنه دور النخب اليسارية؛ ونخبنا، وللأسف، ترفض كل ذلك،
بدافع ردة الفعل على موقف أحزاب اليسار الرسمي المناصر للسلطة، بعد أن حوّل النضال
إلى شعارات فارغة، وعلى سياسة النظام في التفرد في الحكم. حيث لم تعمل النخب
المنخرطة في الثورة على تأسيس أيِّ جسم سياسي يمكن أن يعبّر عن إرادة الشعب، أي
يعمل بمنظور علمي، يدرس الواقع، ويحلّله من حيث طبيعة النظام وأسباب الثورة عليه
وبالتالي مطالبها، ويفهم مشكلاتها، خاصة مشكلة امتناع شرائح كبيرة عن الانخراط بها
وتأييدها النظام، ومشكلة السياسة العسكرية المُتّبعة في تحرير المدن، والتي أثبتت
فشلها، ومشكلة انخراط جزء من القوى الثائرة في الجماعات الأصولية الجهادية.
وبالتالي تلك النخب فقط حضّرت نفسها للديمقراطية الموهومة، أي أقامت كيانات معارضة
لا تقوم على برامج حقيقية، وأسس تنظيمية واضحة، بل تعمل وفق تجميع لشخصيات، بعضها
“نجّم” خلال الثورة أو بدعم من وسائل الإعلام، وكثيراً ما أخذ موضوع
التمثيل الطائفي والمناطقي والعشائري والقومي وغيره، الحيز الأساسي في تشكيل تلك
الكيانات. وبالتالي هي تعمل وفق تطلعاتها نحو الديمقراطية، أي ضرورة تشكيل عدة
كيانات سياسية تجهز نفسها لتقاسم السلطة مستقبلاً عبر صناديق الاقتراع.
ومن
هذه الكيانات ما اختار “النضال” من أجل ديمقراطية تسمح له بمشاركة
السلطة الحالية بالحكم، كحال هيئة التنسيق وعموم التيار الثالث، ومنها ما اختار
ديمقراطية تأتي من دول هي “أمّ الديمقراطية”، حسب قناعاتهم، أي عبر
مختلف أشكال استجداء التدخل الأجنبي الذي سيطيح بالنظام ويفتح أفق الديمقراطية،
وهي حال المجلس والائتلاف الوطنيين وغيرهم، وستكون حال التشكيل الجديد الذي
سيتحفنا به هيثم المالح.
الشعب
جرَّب الثورة على النظام، ونجح في كسر قوته كثيراً، وخاض تجربته بمشكلاتها الجمّة
وحده، وتعلم منها الكثير، وهو ما يزال مستعداً لإكمال ما بدأه، لكنه يحتاج إلى دور
النخب الفاعل في الثورة، وبات يعرف حاجته تلك جيداً. لكن هل ستفهم النخب هي دورها
هذا، وتعمل على إعداد نفسها في استراحة المحارب هذه؟ أم أنها ستكمل نومتها بعد نعيها
للثورة، وتُفاجأ من جديد بعودة الشعب إلى ثورته، تماماً كما تفاجأت به حين ثار منذ
أكثر من ثلاثة أعوام؟.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث