عمّار الأحمد
كانت المنظّمات التي شكّلها النظام من قبل، منظمات سياسية، سواء
النقابية منها أو المدنية؛ أي هي تخضع في انتخابات قياداتها، وفي أهدافها وفي
بيروقراطيتها وفي تفاهة وجودها إلى السلطة.
الثورة التي دخلت عامها الرابع، لم تبدع مؤسسات يُعتد
بها؛ وكان ما ظهر منها عرضةً لكل أشكال الابتزاز والتتبيع وتحديد نشاطاتها بما
يتوافق مع الداعمين الماليين، وبالتالي فشلت فشلاً ذريعاً.
إضافة إلى أنها لم تتشكل بانتخابات شعبية؛ فغابت مؤسسات
القضاء، وغابت مؤسسات الجيش الحر، ولم تثبت وجودها أبداً الحكومة المؤقتة، وفشلت
المجالس المحلية في مختلف المناطق.
وبحدوث ذلك تقدّمت
داعش وجبهة النصرة وسواهما، فسيطرت على منابع النفط وإقامة محاكمها الشرعية؟! إذا
لا توجد مؤسسات للشعب، والشعب غائب عن أي تمثيل جدّي، يعبّر فيه عن مشكلاته وهمومه
وأهدافه.
مقالنا يناقش هذه القضية حصراً؟!
إن بقاء ملايين السوريين خارج سيطرة النظام، يتطلب تنظيم
الشعب لنفسه، وهنا يعنينا أن تكون هذه المؤسسات لكل السكان، ولا تقام على أسس
حزبية أو سياسية مباشرة، ويمكن للقوى السياسية أن تشارك فيها وتؤثّر فيها، ولكن
على أرضية تأسيس مؤسسات للشعب بكليته.
أوّلى هذه المؤسسات، النقابات للعمال العاملين أو
العاطلين عن العمل؛ يفترض تشكيل نقابات حرة في المناطق المحرّرة، ومهمتها إظهار
وتوضيح وتدوين مطالب هؤلاء الناس، وأن تتعدّد بتعدّد مواقع العمل والمصانع
والعالمين ككل.
وهناك ضرورة لتفعيل
اتحادات الفلّاحين، وأن تحدد احتياجاتها لتشغيل الأرض وتلبية حاجات الموطنين،
وكذلك أن تتشكل اتحادات خاصة بالطلاب، وفي مراحله التعليم كافة، وتكون مهمتها
التعبير عن حاجات الطلاب المتعلمين، وأن تتشكل مجالس محلية منتخبة من الشعب مباشرة
وبعيدة عن العائلية والدين والذكورة والتسييس؛ وتُلبّى حاجات المواطنين وأحوال
البلدات بأكملها، والاجتماع بالمواطنين والاستماع لمطالبهم؛ يسهل عملية تفعيل
المجالس هذه وجود تلك المؤسسات؛ وأن يكون لها الحق بالتظاهر والاحتجاج والتعبير
عبر مختلف الأشكال وحتى الاحتجاج والتظاهر.
يشكل وجود مؤسسات قضاء منتشرة في كافة سوريا ضرورة ملحة،
وأن تعدّ هي الوحيدة الممثلة للشعب، ولا يمكن أن تقوم على أسس دينية. ففي هذا
تسييس للقضاء وللمجتمع على أساس ديني وتمييز بين الموطنين دينياً وجنسياً.
النظام لن يستعيد أماكن كثيرة، ومحاكم النصرة وداعش
وأحرار الشام وبقية الكتائب مرفوضة مجتمعياً، وقد رفضها الشعب كلما كان ذلك
ممكناً. الآن تتضاعف حاجات الناس، والنظام لا يعنيه تأمينها من الأصل باستثناء استمراره
في إعطاء الأجور للموظفين بقصد إبقائهم مؤيدين له في المناطق المحررة، وهو يستفيد
من عدم تنظيم الشعب لنفسه وتأمين احتياجاته ورداءة المعارضة وغبائها الكبيرين.
ولكن ما يقوم به النظام وما تقدمه منظمات “المجتمع
المدني” وقوى الائتلاف، ومختلف القوى السياسية وسواها، فهي تقدّم كل ذلك بقصد
التبعية والموالاة، وليس بقصد تشكيل مؤسسات شعبية مستقلة.
الهام الآن بالنسبة للشعب أن يشكّل هو مؤسساته، ويجبر
مختلف تلك القوى على التعامل مع مؤسساته، وأن ترسل لها طلبات الشعب بدقّة؛ إذاً:
تنظيم الشعب لنفسه بنقابات واتحادات وسواها سيسمح بتجدُّد الثورة، وبرفض الاقتران
بين السلاح والمال والطائفية والتسييس الرديء، وتحقيق العكس أي تحديد الحاجيات
والمطالبة بها بشكل فاعل.
هل يمكن تحقيق هذه المؤسسات في هذه اللحظة الراهنة؟
أقول: هناك
مجالس محلية موجودة، وهناك مؤسسات تقدم خدمات تتعلق بالتعليم والدعم النفسي وسواها؛
إذاً هناك إمكانية لتحقيق هذه المؤسسات. الإشكال ليس في تعقيد الواقع فقط، بل في
رفض هذه الفكرة، لأنها ستؤدي إلى محاسبة القياديين الثوريين في مناطقهم أو في
الخارج، حيث ستجبرهم على تقديم برامجهم السياسية والاقتصادية والخدمية لمصلحة المواطنين؛
جاء فشل الحكومتين المؤقتتين صادحاً، فهي حكومات في زمن ثوري، وبالتالي لا يمكنها أن
تعبر عن حاجات الشعب، وهي بالأصل مشلولة الفاعلية لجهة التخفيض من شأنها والإعلاء
من الائتلاف وقيادته، وبالتالي هي مجرد حكومة كاريكاتير عن حكومات الدول.
حين ينظم الشعب صفوفه بمختلف أشكال التنظيم وحسب الحاجات
والأعمال ومختلف النشاطات؛ حيث ذلك يمكن للشعب أن يحصّل حقوقه المختلفة.
هناك توقعات تقول بأن الحرب مستمرة، والأطراف الدولية والإقليمية
لا مصلحة لها بإنهاء الحرب وتغيير النظام بل مصلحتها في دفع الحرب نحو التطييف
الكامل والحرب الأهلية الكاملة. نحن لا نقرُّ بذلك، ونرفض هذه التحليل، ونجده حلاً
تبسيطياً لأوضاع الصراع، فهو استنزاف كامل ليس للشعب وللنظام فحسب بل وكذلك للدول الإقليمية
العالمية وهو قد يشكل خطراً على المحيط الإقليمي.
ويدعم هذا التحليل أن هدف التدمير من الخارج قد حققه
النظام بالكامل، وبالتالي هناك مؤشّرات نحو حلٍّ ما.
الآن وفي حال تحقق حل ما، فهل ستتحقق قفزة نوعية وتحل
مشكلات الناس. قطعاً هذا لن يحصل.. وستترك الناس بالأرياف والمدن الطرفية والأحياء
البعيدة عن قلب المدينة وربما قلب المدن الكبرى لمصيرها الذاتي. أي حالة فوضى
كبرى. لمنع تشكّل كل ذلك وبقصد تحقيق مطالب الناس تأتي فكرتنا المتعلقة بتنظيم
حياة الشعب وتحقيق المطالب العامة.
إذاً: هناك
ضرورة كبيرة لتحديد احتياجات الناس وتشكيل مؤسسات متوافقة معها، والسماح بحق
التعبير بمختلف أشكاله، وتفعيل دور القضاء المدني. وأن يكون لتلك المؤسسات الرأي
الأول والنهائي بما يتعلق بمختلف الشؤون اليومية للمواطنين، وإليها تعود تأمين احتياجات
المواطنين وبالتالي رفض كل تدخل من الفصائل والكتائب وفرض سلطاتها ودويلاتها كما
يجري ولا سيما مع التنظيمات الأصولية، وغيرها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث