*سامر
القطريب
تكفي كلمة الدكتاتورية لتحفّز الذاكرة والمخيلة،
فتتراءى أمامك صور السجون المعتمة وجدرانها المتّسخة، ويأتيك أصوات الصراخ وشخير السيارات
العسكرية المحملة بالسلاسل والبنادق، وتسمع دبيب الأحذية السوداء على الأرض.
بعد قيام الثورة وفتح أبواب السجون، أتذكّر كلام
زميلة سابقة حول المطالبة برفع قانون الطوارئ عن الشعب “بكرا رح نعمل قانون مكافحة
الإرهاب ونفتشكم ونشحطكم إنتو ونايمين بالبيت” انتهى كلامها بضحكة جلادٍ واضطراب
في ملامح وجهي.
لم يكن الشعب كارثة
طبيعية أو ظاهرة فوضوية تتطلب العمل لأكثر من ثلاثين عاماً بقانون الطوارئ، كما لم
تكن ثورته وخوف النظام منها حالة طارئة!. “المُخرب” كانت التهمة الأكثر
ابتكاراً وشيوعاً لإلصاقها بمن يعارض نظام الأب، بين “مخربي الأجيال” كما
اتّهم النظام معارضيه حينها والعدو “للثورة” البعثية والمنظومة الاشتراكية،
تلصق الآن التهمة بالإرهاب للمعارضة السياسية، ولأي فرد يقوم بعمل إنساني يساعد من
خلاله النازحين في الداخل السوري.
بعد إصدار قانون مكافحة
الإرهاب أصبح التجريم يلاحق كل رأيٍّ، وكل عمل إنسانيّ وحقوقي، قانون أعلن ظهور الدكتاتور”
المُعولَم بالإرهاب” ووفاة دكتاتورية “الثورة البعثية”. هكذا تعولم
الإرهاب، وأصبح أداة لافتعال الحروب وسلخ الإنسانية عن جسد الشعوب الثائرة في المنطقة.
جرّد النظام المعتقل
السياسي من حقوقه المدنية، وبذلك حرمه من صفة المواطنة، وشد حبال الإعدام حول عنقه،
وحسب هيومن رايتس ووتش فإن أكثر من خمسين ألف معتقل رأي أحيلوا لمحكمة مكافحة الإرهاب،
وهم إما متظاهرون أو ناشطون مدنيّون أو معارضون سياسيون، كذلك أطلق قانون مكافحة الإرهاب
أيدي النظام الأخطبوطية لممارسة الاعتقال التعسفي وعمليات الخطف والتغييب، وفصل واعتقال
العديد من موظفي الدولة من أماكن عملهم وقطع مصدر دخلهم بناءً على تقارير واهية ودون
أدلةٍ ، والتهمة فقط معارضٌ سياسيٌّ.
تجريد المعارض السياسي من حقوقه لم يكن كافياً للنظام،
فقام بتجريده من إنسانيته بعد إدانته قبل اتهامه بالإرهاب، فالإرهابي شخص مبرمج على
قتل الحياة، وبهذا المعنى يخرج الفرد من سياقه الإنساني إلى سياق وسيرورة وحشية قوننها،
وشكّلها النظام لتصفية معارضيه. يحاكم القانون كل من يسعى لتغيير نظام الحكم في البلاد
بتهمة الإرهاب، وكون الثورة قامت لتغيير النظام وإسقاطه بكل مؤسساته فإن معظم الثوار
أصبحوا فريسة سهلة، فهم في عرف النظام الأمني إرهابيون يجب محاربتهم والقضاء عليهم.
يشكّل موت المعتقل في
سجون النظام تحت التعذيب بطريقة أصبحت روتيناً أسودَ، فضيحة للمنظمات العالمية العاملة
في مجال حقوق الإنسان، ويكشف أزمة أخلاقية للدول الكبرى والتي على ما يبدو أنها لا
تعطي قيمة لحياة السوري في جداول مصالحها الاستراتيجية.
لا يميّز إرهاب النظام
بين الجنسين وبين الطوائف والإثنيات، المعتقلات مفتوحة للجميع، وهي المساواة الوحيدة
الموجودة في عرفه البربري، مساواة في التعذيب والقتل وفي الإدانة؛ إرادة حياة حرة وكريمة
في دولة عنوانها المواطنة. المرأة السورية، الجزء الآخر للثورة والذي منح الكُلّ الثوري
روحه وجماله، وأكمل دورة التاريخ باستلهام غضب الطبيعة وصبرها، وجدت نفسها أيضاً مهدّدة
بالاعتقال وانتهاك الحقوق والموت البطيء على درَج الحرية، المساواة في الموت يقين جمع
السوريين في دائرة واحدة “دائرة الحرية”.
الملاحقة والاعتقال،
التعذيب الوحشي في المعتقل، ومن ثم الموت بجرعة زائدة من الألم، نفى كثيراً من الناشطين
في مختلف المجالات السياسية والحقوقية والإعلامية والمدنية إلى خارج دائرة الثورة،
الإرهاب أصبح أداة النظام الفعالة لقهر الثورة، حيث أمسى النشاط المعارض في الداخل
انتحاراً!، وهو كذلك في مرحلةٍ عنوانها الفوضى وفقدان الثقة من الأطراف المنتحلة للثورة،
الموت بجرعة زائدة من الألم والأمل في سجون الدكتاتورية واقع يوميٌّ سينقرُ بعنفٍ على
رؤوس الجلادين وجميع من يراقبُ ولادة دكتاتورية تتعولم على يد الإرهاب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث