سارة مراد
لا تعد ظاهرة الطلاق جديدة على المجتمع السوري، ولكن انتشارها في الآونة الأخيرة، بات يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها هذا المجتمع، من غياب لاستقرار العائلة السورية المكاني والمادي، نتيجة النزوح المستمر والهجرة والفقر والتشرد، إلى تفاقم الخلافات العائلية إثر اجتماع عدة عائلات في منزل واحد أو ابتعاد الزوج والزوجة عن بعضهما، وإقامة كل منهما عند والديه، أو سفر أحدهما، إضافة إلى الضغوط الاجتماعية والنفسية التي يخلفها غياب الزوج كمعتقل أو نازح أو هارب إلى إحدى الدول، أو نتيجة لالتحاقه بصفوف القتال. كل تلك الأسباب فاقمت من انتشار هذه الظاهرة السلبية وتعقيدها، وحالت دون الحد منها.
مع استمرار الحرب في سوريا، تفاقمت الكثير من المظاهر السلبية التي كانت موجودة في المجتمع سابقاً، وبات واقع النزاع البيئة المناسبة لنمو مظاهر جديدة أخرى. ولعل الطلاق هو حالة طبيعية ضمن نسبة معينة، لكن زيادة هذه النسية يشير إلى مشكلات أعمق غزت المجتمع السوري، وكان الطلاق مجرد نتيجة، تتسبب بذاتها بحدوث نتائج أوسع.
ووفقاً لإحصائيات صادرة عن وزارة العدل، ارتفعت نسبة الطلاق في سورية بشكل لافت خلال الأعوام 2011 – 2013، ووقف وراء ذلك جملة من المبررات، كالحالة المعيشية وظروف البلد بشكل عام، وفقدان الكثيرين لفرص عملهم ومصادر قوتهم اليومية، مقارنة بأسباب أخرى تتعلق بالاختلاف وعدم التراضي بين الزوجين. كما ارتفع عدد حالات الطلاق نهاية 2013، لتصل إلى 100 حالة يومياً. وخلال منتصف العام 2014 انخفض المعدل العام للحالات إلى 30 حالة يومياً، ليعود ويرتفع نهاية العام بشكل بسيط ويصل إلى 40 حالة. ولقد تنوعت حالات الطلاق، فكان جزء منها “غيابياً” لتعذر حضور أحد الطرفين بسبب اختفائه وفقدان التواصل معه.
وكشفت الإحصائيات السابقة أن عدد الحالات في دمشق وريفها لعام 2014، بلغ نحو 3 آلاف حالة طلاق، في حين بلغ العدد في حلب وحدها ألفي حالة، وسجلت حمص ألف حالة طلاق. وذلك وفقاً لحالات الزواج المسجلة في المحاكم الشرعية. ومع تعذر تسجيل كثير من الحالات داخل وخارج سوريا، فإن هذا العدد يمكن أن يكون أكبر بكثير.
إحصائيات: بلغ عدد حالات الطلاق في دمشق وريفها خلال عام 2014، نحو 3 آلاف حالة، في حين بلغ العدد في حلب وحدها ألفي حالة، وسجلت حمص ألف حالة طلاق خلال العام ذاته.
وبالحديث عن أسباب انتشار الطلاق وتفاقم هذه الظاهرة، يوضح المحامي عامر الأخرس لـ”صدى الشام” أن “أغلب حالات الطلاق تتم بالتفريق بين الطرفين كنتيجة للفقر والبطالة وعدم قدرة الزوج على الإنفاق، وذلك وفقاً للمادة 110 من قانون الأحوال الشخصية، والذي ينص على إمكانية طلب الزوجة للتفريق إذا امتنع الزوج عن الإنفاق عليها، ولم يكن له مال ظاهر. يليه التفريق نتيجة لغياب الزوج وفقاً للمادة 91، والتي تنص على أنه إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم على الزوج بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق. تليها حالات الطلاق والتفريق الناتجة عن أسباب أخرى، مثل الخلافات الزوجية وعدم القدرة على الانسجام بين الزوجين وغيرها”.
أغلب حالات الطلاق تتم بالتفريق بين الطرفين كنتيجة للفقر والبطالة وعدم قدرة الزوج على الإنفاق، يليه التفريق نتيجة لغياب الزوج، تليها الحالات الناتجة عن أسباب أخرى، مثل الخلافات الزوجية.
لمياء، أم لثلاثة أطفال وتبلغ من العمر 35 عاماً، تعزو أسباب طلاقها من زوجها لتفاقم المشاكل بينهما، وذلك بعد انتقالهما للعيش في منزل أهله، قائلة: “أصبحت الحياة مع زوجي جحيماً لا يطاق، تغيرت أخلاقه كثيراً، وأصبح يسمح للجميع بالتدخل في حياتنا. عانيت من الضرب والإهانة منه ومن عائلته. حتى أولادي كان لهم نصيب من الضرب، ولم يعد يسمح لي بالتدخل حتى في شؤون الأولاد”. وأضافت: “تحملت ثلاث سنوات، ولكن الوضع لم يتغير. كرهت زوجي وعائلته كثيراً، ولم أعد أحتمل أكثر. انفصلت عنه، وأعيش الأن بكرامة وسلام مع أولادي. أستطيع إعالة نفسي وأولادي، فأنا أعمل في الخياطة ودخلي يكفينا، وحياتنا أصبحت هادئة خالية من المشاكل”. أما أم علاء، التي تسكن في مدينة غازي عنتاب التركية، والتي انفصلت عن زوجها بعد 23 سنة من الزواج، فتقول لـ”صدى الشام”: “بعد انتقالنا للعيش في مدينة غازي عنتاب، سافر زوجي إلى الخليج للعمل هناك. وبعدما عمل واستقر وضعه، سمعت بزواجه من امرأة أخرى، طلقني وقطع تواصله معنا حتى يتهرب من نفقة الأولاد”. وتضيف: “لم أشعر بالحزن، فنحن لم نكن على وفاق أبداً. أنا طبيبة أعمل في عيادتي، أقوم بتربية أولادي لوحدي، ووضعي جيد”.
على الرغم من كون الاستقلال المادي للمرأة عاملاً إيجابياً لها ولعائلتها، فقد يكون أحد الأسباب التي تشجعها على الطلاق والانفصال عن زوجها في حال خيانته لها أو إهماله لعائلته. وقد يكون الطلاق وسيلة كي يتهرب الرجل من مسؤولياته تجاه زوجته وأطفاله. ولكن بغض النظر عن الأسباب التي تدفع الأهل لاتخاذ قرار الانفصال، إلا أن للطلاق تأثيرات مدمرة على مستقبل الأطفال وحياتهم، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وألا يكون الطلاق أو الانفصال هو الخيار الأول للوالدين.
تؤكد سلمى مكتبي، وهي مرشدة نفسية، أن “للطلاق تأثيرات كارثية على مستقبل الأطفال، فقد يكونون عرضة للجهل والفقر والتسرب من المدارس والانحراف، لغياب رعاية وتوجيه الأهل، وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم المشاكل النفسية التي يعيشها الأطفال عوضاً عن علاجها”. بدورها، تشير قمر معروف، وهي أم لطفلين تسكن في مدينة حلب، إلى أنها تعاني من سوء تصرفات ولدها باسل ذي الستة أعوام، فهو يعاملها على أنها المذنبة والمسؤولة عن غياب والده. وتقول لـ”صدى الشام”: “التحق زوجي بفصائل الجيش الحر منذ أكثر من سنتين، وانقطعت أخباره عنا. ونظراً لسوء وضع والدي المادي، اضطررت أن أطلق زوجي غيابياً، فقد أثقلت على أهلي، وتوجب علي بدء حياة جديدة”. وأضافت: “عرض علي ابن عمي أن يتزوجني ويرعى أطفالي، ولم أكن أملك خياراً آخر، فأنا لا أملك شهادة ولا مهنة وليس لدي معيل”. وتقول وعلامات الأسى والخوف تملأ عينيها: “أخاف كثيراً على ابني باسل، فهو صغير ولا يحب زوجي، وبات لا يحبني ويتهمني بأنني أبعدته وأخته عن والده. وللأسف لم يتغير سلوكه مع الوقت بل ازداد قسوة وعنفاً”.
حال باسل هو حال آلاف الأطفال السوريين الذين حرمتهم الحرب وأمراض مجتمعهم من جهل وفقر وحاجة، من أقل حقوقهم في عيش حياة آمنة يملؤها الدفء والحنان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث