الرئيسية / رأي / حين تنكسر الهدنة مع السلطة الاجتماعية

حين تنكسر الهدنة مع السلطة الاجتماعية

لا يحمل العديد من السوريين أمتعة كثيرة في رحلتهم الطويلة، وإن قصرت، إلى بلدان اللجوء. فمعظمهم يصل بما يرتديه من ملابس فقط، مع جوال أو مبلغ مالي بسيط. لكن الحمل الحقيقي الذي قد يُتعببعضهم لدرجة قصم الظهر أحيانا، هو ما ورثوه وتعودوا عليه من أفكار ومعتقدات وتقاليد اجتماعية، وهو ما انتقل معهم وقطع الحدود دون أن يصاب أو يشعر صاحبه بخطر فقدانه.

غالبا لا يلاحظ اللاجئ عبء ما يحمله في الفترات الأولى من حياته الجديدة في أوروبا، لكن المشاكل تبدأ بالظهور مع استيعاب كل أفراد العائلة، سواء وصلت العائلات دفعة واحدة أو قدمت عن طريق لم الشمل، لحقوقهم التي لم يكونوا مدركين لها، وللقوانين السارية في الدول التي قدموا إليها، والتي تحميهم حتى من بعضهم.

يساعد على ظهور هذه الإشكالات غياب المجتمع المحيط الناظم للعلاقات الاجتماعية في البلدان العربية بشكل عام، وهو الذي كان يلعب دور اللجام على كل محاولة للانعتاق فيما سبق.

بشكل عام، يفقد الرجل الأب أو الزوج جزءا من سلطته المعتادة، خاصة عندما تكون العلاقات الأسرية ضمن عائلته هشة بالأصل، إذ غالبا ما يتمرد الأبناء الذين قطعوا الثامنة عشرة من العمر، وبنسب أقل، تتمرد الزوجات المجبرات على الاستمرار مع أزواجهن لأسباب تتعلق بالمجتمع أو التبعية الاقتصادية أو التخوف على الأطفالفي حال الطلاق.

يختلف حجم المشاكل باختلاف الطبيعة الأصلية للعلاقات داخل الأسرة، كما يختلف أيضا باختلاف البيئة في الوطن الأم. فالعائلات ذوات العلاقات الأسرية القوية المبنية على الاحترام، والملتزمة اجتماعيا ودينيا التزاما صادقا نابعا من القناعة وليس التزاما مفروضا، هي الأقل عرضة للمصاعب في المجتمعات الجديدة.

وإذا استثنينا الخلافات القائمة على الالتزام بالتقاليد أو عدمه، ومنها تقاليد اللباس والتعامل مع أفراد المجتمع الجديد بطريقتهم، تظهر الأمور الخلافية الأهم والأعمق، والتي قد تبدأ ببساطة مثلا في حق إبداء الرأي وحق رفض السلطة بشكلها القطعي التقليدي، وهو ما يعاني منه كل من الآباء والأبناء باختلاف طريقة وشكل المعاناة.

فبالرغم من أن هدف الآباء الأول من اللجوء إلى أي دولة أوروبية هو حماية أبنائهم وتأمين مستقبل لهم، إلا أنهم غالبا لا يتقبلون الشرط الأساسي لنجاح الأبناء في حياتهم أو دراستهم، وهو الاندماج الحقيقي في تلك المجتمعات الغريبة الجديدة، والتي، وللمفارقة، كانوا ينظرون إليها منذ سنوات فقط، كمجتمعات مفككة أو “منحلّة” مقارنة مع مجتمعاتنا الشرقية “المحافظة”.

إن شرط الاندماج هذا يبدأ من طريقة الحياة داخل المدرسة، ولا ينتهي بدخول الشباب إلى عوالم مفتوحة من العلاقات الشخصية والاجتماعية. لكن العديد من الآباء يحاولون “الحفاظ” على الأبناء بطريقة فاشلة مسبقا وهي العمل على عزلهم عن هذه العوالم قدر المستطاع.

الذي يحصل أنه بمجرد إحساس الشاب أو الشابة ومعرفتهم بأنهم أصبحوا فجأة قادرين على الرفض ومحميين من القانون الذي يمنحهم حق الاستقلال التام عن الأهل، يبدؤون بكسر الهدنة المفروضة بينهم وبين السلطة المطبقة من “أولياء الأمر”، ما يصل في كثير من الأحيان حد القطيعة بين أفراد الأسرة. وهو ما يستنكره العديد من اللاجئينويحملون القوانين الأوروبية مسؤوليته.

إن قانون معظم الدول الأوروبية ينص على حماية حقوق الأفراد جميعا في التعبير عن الرأي وممارسة القناعات الخاصة، حتى المتطرفة منها. كما تركز كل القوانين الأوروبية على حماية الأطفال والرفض المطلق لأي تصرف يسيء إليهم، سواء جسديا أو نفسيا. ويعطي النساء حقوقهن في تقرير المصير والشكوى على الأزواج في حال تعرضهن لأي انتهاك لهذه الحقوق.

المشكلة ليست في المجتمعات الأوروبية ولا في علاقاتها أو قوانينها. المشكلة الحقيقية تكمن فينا بوصفنا شعوبا اعتادت تطبيق “هرم السلطة”؛ تعويض الرضوخلسلطة الدولة الدكتاتورية والمجتمع المغلق بممارسة السلطة على الحلقة الأضعف، وهم أفراد العائلة.

من سلِم من اللاجئين من هذه المعاناة هم من كسروا سابقا مفهوم السلطة الذكورية المطبقة على كل أفراد الأسرة بما فيهم الذكور، وهم أيضا من جاء إلى هذه البلاد بعقل منفتح وأفكار مرنة قابلة للتأقلم، ولا أقول النسف أو الاجتثاث فليس هذا هو المطلوب.

ومن خلال تجارب كثيرة، تمكنت العديد من العائلات من تخطي كل هذه الصعوبات، واستطاعت المحافظة على شبكات العلاقات داخل الأسرة عن طريق تقديم جهد جاد لاستيعاب المجتمع الجديد ومحاولة مساعدة الأبناء على التوفيق بين ما يشاركون آبائهم به من قناعات وخلفيات اجتماعية وثقافية، وبين القناعات والعادات الاجتماعية الجديدة.

هؤلاء فقط هم من استطاعوا تخفيف أحمالهم على الحدود، أو إنزالها عن كواهلهم قليلا كي يتمكنوا من عناق أبنائهم،لا تقييدهم، ليحافظوا عليهم.

لجوء السوريين إلى أوروبا،سواء من تأقلم منهم مع المجتمع الجديد أو من لم يستطع، لم يكن أمرا اختياريا لمعظمهم..فقد فرضته الظروف الكارثية التي حلت على مناطقهم، واضطرتهم إلى مغادرتها. لكنهم مجبرين الآن على تحمل كل التبعات، على أمل أن يتحمل العالم، بما فيه حكومات الدول الأوروبية التي لجؤوا إليها، مسؤولياتهم في منع استمرار نظام الطاغية في دمشق، وبالتالي منع استمرار أسباب هذا النزوح المر.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *