الرئيسية / تحقيقات / حصار قدسيا والهامة يدخل شهره السادس وتحذيرات من كارثة إنسانية

حصار قدسيا والهامة يدخل شهره السادس وتحذيرات من كارثة إنسانية

فراس محمد

تعددت أساليب النظام السوري ومحاولاته الرامية إلى تركيع الشعب السوري الثائر منذ ما يقارب الخمس سنوات، فبعد أن عجزت آلته العسكرية التي استخدم فيها كل أصناف الأسلحة التقليدية والمحرمة دوليا عن فرض هيمنته على الأحياء الثائرة، لجأ إلى وسيلة أخرى لا تقل قسوة ومرارة في قتل الشعب السوري، تمثلت في حصار وتجويع هذه المناطق ليصبح الموت البطيء هو سلاح النظام الفتاك لكسر إرادة شعبه الثائر.

تعتبر منطقتي قدسيا والهامة في ريف دمشق أكبر مراكز تجمع النازحين من المناطق المدمرة في الغوطة الشرقية والغربية وجنوب دمشق، حيث وصل عدد السكان في هاتين المنطقتين إلى 690 ألف مدني، نسبة كبيرة منهم هم من المدنيين الذين اضطروا للنزوح بسبب الدمار الهائل الذي خلفته آلة النظام العسكرية في مناطق داريا والمخيم والغوطة الشرقية، وفق ما أكده المجلس المحلي لمدينة قدسيا.

قامت لجنة المصالحة التابعة لأبناء منطقتي قدسيا والهامة بتوقيع هدنة مع النظام السوري، تقضي بعدم قصف المنطقة من قبل قوات النظام وعدم اقتحامها، في حين لا يشن عناصر الجيش الحر أي هجمات تستهدف قوات النظام انطلاقا من هذه المناطق. هذه الهدنة إضافة إلى أسعار الإيجارات المعقولة مقارنة بباقي مناطق العاصمة دمشق، دفعت آلاف المدنيين، وخاصة النساء والأطفال وكبار السن، للنزوح باتجاه قدسيا والهامة هربا من جحيم القصف والدمار، وبحثا عن الأمان المفقود في العديد من مناطق ريف دمشق الثائر.

حيث قال أبو محمد الشامي، المسؤول الإعلامي في المجلس المحلي لمدينة قدسيا، أن “أعداد النازحين القادمين إلى المدينة من عدة مناطق كمخيم اليرموك والحجر الأسود والغوطة، تقدر بحوالي 25 ألف عائلة أي حوالي 120 ألف شخص”.

وصلت أعداد النازحين إلى مدينة قدسيا وحدها إلى حوالي 120 ألف شخص.

الحصار يدخل شهره السادس

في الثاني عشر من شهر تموز الماضي قامت قوات النظام بفرض حصار خانق على المنطقة، بعد اتهام قوات الجيش الحر بخطف أحد عناصر قوات النظام على حاجز ضوء القمر، وطلبت من لجنة المصالحة أن تقوم فصائل الجيش الحر بتسليم العسكري المخطوف كي يتم فك الحصار. لكن الجيش الحر وجميع الفصائل العسكرية المتواجدة هناك، نفت أي صلة لها بخطف العسكري وقد اعتبروا أنّ قضية العسكري المخطوف هي حجة يسعى من خلالها النظام لإيجاد مبرر لفرض حالة الحصار الخانق على المدنيين.

وقال المجلس العسكري بمنطقة الهامة في بيان له، أن لا علاقة له باختفاء عناصر النظام المفقودين، وإنما هي “حجة من قبل النظام لفرض هذا الحصار على منطقة قدسيا والهامة خوفا من تحرك الثوار لنصرة الزبداني ووادي بردى، والقيام بأي ضربات للنظام من الخلف”.

وأشار البيان إلى أن “ما يجري في البلدتين يأتي ضمن سياق الحملة التي يقوم بها النظام وحزب الله على الزبداني ووادي بردى”، فهم يرون أن “النظام لن يتردد في إفراغ الهامة وقدسيا من كافة أشكال المعارضة المسلحة عقب الانتهاء من معارك الزبداني، وذلك لأنه يريد جعل المنطقة بكاملها تحت سيطرته دون وجود للمعارضة”.

وأمام هذا التعنت من قبل قوات النظام، باءت كل محاولات لجنة المصالحة لفك الحصار عن المنطقة بالفشل، بالرغم من “أنه سبق للجنة أن استطاعت فك الحصار بعد أحداث مشابهة”، وفق ما أكده أبو حسام الشامي، أحد ناشطي مدينة قدسيا.

وقال أبو حسام أن “محاولات لجنة المصالحة التي يرأسها عادل مستو والشيخ محمد عدنان أفيوني، فشلت في فك الحصار، رغم خروج أكثر من 135 شخصا من قدسيا باتجاه إدلب، أغلبهم من المقاتلين التابعين لحركة أحرار الشام الرافضين لفكرة المصالحة، بالإضافة لبعض المدنيين الذين فقدوا الأمل بفك الحصار. وتم التنسيق بين الهلال الأحمر السوري والنظام ولجان المصالحة بخروج هؤلاء المقاتلين، حيث تم استلامهم من قبل حركة أحرار الشام في إدلب، على أن يكون هناك دفعة جديدة من المقاتلين، لكن النظام أوقف العملية دون أن يعطي أي مبرر لذلك، واستمر في فرض حصاره على المدنيين”.

كما وأكد سكان محليون أنه و”بعد مقابلة لجنة المصالحة للوفد الروسي في فندق المريديان بالعاصمة دمشق، أصبح واضحا أن النظام لم يعد يملك أي قرار بالمنطقة، وأن سياسته الآن ستعتمد على الحصار وإفراغ بلدات الريف الدمشقي من سكانها”.

ناشط من الهامة: السبب الحقيقي لحصار المنطقة ليس اختطاف الجندي، بل رغبة النظام بالاحتفاظ بورقة الحصار كورقة تفاوض للضغط على المعارضة.

من جانب أخر، قال أبو حسام إن “السبب الحقيقي لحصار المنطقة ليس اختطاف الجندي، بل رغبة النظام بالاحتفاظ بورقة الحصار كورقة تفاوض جديدة للضغط على المعارضة من أجل فك الحصار، ولا يريد أن يقدم تنازلا مجانيا دون الدخول في مساومات أكبر، بحال عقدت مفاوضات بأشراف دولي على مستقبل سوري. وهو ما يفسر تعنته وإفشاله لكل محاولات لجنة المصالحة التي طالما كانت تنجح في إيجاد تسوية”. وأضاف أبو حسام أن “موقع قدسيا والهامة وقربها من مقرات عسكرية هامة كمقرات الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، ومحاولة السيطرة على طريق بيروت القديم، زاد من رغبة النظام في تركيع هذه المناطق من أجل تحسين شروط التفاوض بحال تم الوصول إلى حل سلمي خلال الفترة القادمة”.

من جانب أخر قالت إحدى الناشطات من مدينة قدسيا، رفضت الكشف عن أسمها لأسباب أمنية، أن “من أسباب استمرار فرض الحصار، التحاق 50 مقاتلا من قدسيا بالفصائل المقاتلة في مدينة الزبداني خلال المعارك الشرسة التي خاضها النظام وحزب الله بهدف السيطرة على المدينة”.

ناشطة من قدسيا: من أسباب استمرار فرض الحصار، التحاق 50 مقاتلا من قدسيا بالفصائل المقاتلة في مدينة الزبداني

فقدان المواد الاستهلاكية وارتفاع أسعارها في المنطقة ينذر بكارثة إنسانية

ربما تشهد مناطق أخرى في غوطة دمشق وجنوب دمشق أوضاعا إنسانية أشد قسوة من قدسيا والهامة، بسبب العمليات العسكرية التي تشهدها هذه المناطق بالإضافة لموضوع الحصار، لكن ما يجعل الوضع في قدسيا والهامة مختلفا هو الاكتظاظ الشديد، بسبب الأعداد الكبيرة من النازحين، والذين يشكل الأطفال والنساء وكبار السن النسبة الأكبر منهم، وهو ما جعل الحصار أشد قسوة، خاصة مع الارتفاع الجنوني بسعر المواد الاستهلاكية.

إنّ ما يجعل الوضع في قدسيا والهامة مختلفا عن بقية مناطق الغوطة هو الاكتظاظ الشديد بسبب الأعداد الكبيرة من النازحين

وفي حديثه عن أسعار بعض المواد، قال أبو عمر، أحد اللاجئين في قدسيا، إن “سعر البندورة 500-750 ل س، البطاطا 750-850 ل س، الكوسا 1100 ل س، الغاز 5000 ل س، تنكة المازوت 8000 ل س، الرز 500-650 ل س، السكر 300-400 ل س، الخبز 300 -350 ل س، هذا في حال توفرها”.

وأضاف أبو عمر أن “السبب الرئيسي لارتفاع أسعار هذه المواد يعود إلى الأتاوات الكبيرة التي يفرضها الضباط المسؤولون على حواجز النظام، حيث يتم تمرير كميات قليلة عن طريق الحواجز بعد دفع مبالغ كبيرة كي يسمح الحاجز بدخولها، وقد لا تتعدى الكميات سيارة نقل خضار من الحجم الصغير. كما لا يخلو الأمر من بعض الذين يتاجرون بمأساة الناس من خلال رفع الأسعار، وأغلب من يسمح لهم بإدخال المواد الغذائية هم من لجان المصالحة”.

السبب الرئيسي لارتفاع أسعار المواد يعود إلى الأتاوات الكبيرة التي يفرضها الضباط المسؤولون على حواجز النظام

ويتابع أبو عمر: “أما المواد الطبية والأدوية فهي شبه مفقودة رغم وجود عدة صيدليات و3 مراكز طبية في قدسيا، ومركزين صحيين ومشفى خاص في الهامة، لكن نقص الأدوية وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لعمل المولدات الكهربائية بشكل كبير جدا جعل أغلب هذه المراكز خارج الخدمة فعليا، وخاصة فيما يخص علاج الأمراض المزمنة كمرضى الكلى والقلب والسكر”.

بالمقابل تمنع حواجز النظام دخول أي نوع من أنواع الأدوية الإسعافية، كالضمادات والمعقمات وأدوية التخدير التي تستعمل في العمليات الجراحية، بحجة استخدامها في المشافي الميدانية لعلاج المسلحين، كما يصفهم النظام.

في حين تشهد المنطقة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة جدا، حيث لا تتجاوز وجودها الساعة الواحدة خلال الـ 24 ساعة، في حال تم إيصالها، كما يتم قطع مياه الشرب لمدة قد تصل إلى 15 يوما متواصلا.

وحول السماح للناس بالدخول والخروج، قال أبو عمر أن “الحواجز تمنع دخول وخروج المدنيين باستثناء قلة من الموظفين الحكوميين وبعض طلبة الجامعات، في حين ترفض خروج موظفين وطلبة أخرين دون أن يكون هناك سبب واضح، حيث يخضع الموضوع لمزاج الضابط قائد الحاجز. وقد خسر عدد كبير من الموظفين عملهم وترك عدد كبير من الطلاب جامعاتهم بسبب هذه الممارسات.

شهادات من داخل الحصار

رغم كل ما يقال عن قسوة الحصار، تبقى الشهادات الحية من داخل المناطق المحاصرة عن المآسي التي يعيشها الناس هي الأكثر إيلاما، خاصة من أشخاص عايشوا معاناة الأهالي، وذاقوا بأنفسهم مرارة الجوع والذل.

ابنة قدسيا، اسم مستعار، وصفت ما يحصل في قدسيا والهامة بأنه “حصار الذل والجوع”، ونقلت بشهادات حصرية خصت بها “صدى الشام”، بعضا من المآسي التي كانت شاهدة عيان عليها خلال الحصار، وقالت إنها “جزء يسير مما يحصل في هذه المنطقة”.

ابنة قدسيا روت قصة عن “إحدى النساء الكبيرات في السن، كانت قد أجرت في وقت سابق عملية استئصال فك بسبب مرض السرطان في أحد المشافي الحكومية، وكانت تضطر للذهاب لدمشق من أجل جرعات كيميائية. وخلال الحصار وبعد أن يئست من قبول الضابط المسؤول عن الحاجز بالسماح لها بالذهاب للعلاج، كانت تضطر لسلوك طرق جبلية وعر، يصعب على الشاب السليم سلوكها في الأحوال العادية، خاصة أن منطقة قدسيا والهامة مشهورة بوعورتها، وذلك كي لا تفقد دورها في الحصول على الجرعة الكيمائية الضرورية لعلاجها”.

كما تحدث أحمد الشامي، اسم مستعار، وهو ممرض متطوع في المشفى الميداني في قدسيا عن “امرأة أنجبت في الشهر الثامن من حملها، وبسبب الحصار اضطرت أن تضع جنينها في مشفى ميداني، مما تسبب لها بانفصام بالمشيمة حيث كانت بحاجة لعملية قيصرية، ولم يكن هناك طبيب مختص، فقام أحد أطباء الجراحة العامة بإجراء العملية، مما تسبب بمشاكل للجنين وكان بحاجة لحاضنة، وبعد تدخل الهلال الأحمر ومساعي لجنة المصالحة سمح للطفل برفقة والده الانتقال إلى مشفى الأطفال في جامعة دمشق. لكن المشكلة لم تقف عند هذا الحد فالمشفى لا يقبل بوجود مرافق ويسمح للزيارة فقط من الساعة الواحدة حتى الثالثة ظهرا، مما يضطر الوالد للعودة الى بيته وتحمل إذلال الحاجز له بشكل يومي، كما منعوه حتى من إدخال رغيف الخبز إلى عائلته الجائعة، لكنه بعد أيام عاد بالطفل ميتا ليدفنه في قدسيا”.

بذات السياق، تحدثت ابنة قدسيا عن “الازدياد الملحوظ في نسبة الولادات التي تحتاج لعمليات قيصرية، حيث يعزو الناس هذه الظاهرة إلى نقص التغذية الحاد الذي تعاني منه النساء خلال فترة الحمل”، كما أكدت على “المعاناة الكبيرة التي تعانيها النساء خلال العمليات القيصرية بسبب النقص الكبير في أعداد الأطباء المختصين مقارنة بارتفاع معدلات الولادات القيصرية والضغط الكبير الذي يشكله النازحون، وهم النسبة الأكبر من أهل المنطقة”.

يعود الازدياد الملحوظ في نسبة الولادات التي تحتاج لعمليات قيصرية إلى نقص التغذية الحاد الذي تعاني منه النساء أثناء الحمل.

أما عن الجوع الذي يعيشه سكان المنطقة، فقد أكدت ابنة قدسيا أنها شاهدت الكثير من الأطفال يأكلون الزيتون النيء الذي يسقط من الأشجار، إضافة إلى الاعتماد على الأعشاب البرية أحيانا.

بهذا الشكل يمضي سكان قدسيا والهامة أيام الحصار القاسية، بعد أن باءت كل محولات لجنة المصالحة في إيجاد نهاية لمسلسل الجوع والذل الذي فرضه عليهم النظام السوري، مما يهدد بوقوع كارثة إنسانية سيكون هو المسؤول الأول والأخير عنها.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *