نبيل شبيب
نعاصر ثوراتٍ شعبيةً عربية، ليست انقلابات عسكرية أو غزوات أجنبية، أو ما شابه ذلك من أدوات تغيير محدودة، مضموناً وحجماً، بحيث تسمح المعرفة بأمثالها سابقاً بإطلاق حكم قريب من الصواب على مراحلها المتتالية نحو مآلاتها المستقبلية.
لهذه الثورات خصائص التغيير الجذري التاريخي بآفاق واسعة النطاق، توجب علينا انتزاع أنفسنا من مفعول النظرة المحصورة في محطة من محطات مسار الحدث، مثل استبدال سلطة بسلطة، كي نفكر، ونتصرّف في إطار البعد التاريخي الأوسع وفق ما يبدو من معطيات أولية.
نستعير عين المؤرخ بعد قرن من الزمن، أي وهو ينظر إلينا وإلى الحقبة الزمنية التي نعايشها باعتبارها من “الماضي” عنده.. لنقول بحذر:
بدأت “إرهاصات” التغيير في عصر الأفغاني والكواكبي وأقرانهما، ونشهدُ عبر الثورات الشعبية حالياً “بدايات” أولى لصناعة التغيير، أما “النتائج” فهي ما سيعايشه أحفادنا وأحفاد أحفادنا.
لا يعني ذلك “استمرار المعاناة” والمواجهات المسلّحة قروناً أو عقوداً من الزمن، فالمراحل المتتالية تختلف عن بعضها بعضاً، كما أن سرعة الانتقال بينها أكبر بكثير ممّا كان في تحوُّلات تاريخية كبرى سابقة، بتأثير “التسارع” في التطوُّرات الاجتماعية والتقنية البشرية.
هذه الرؤية للبعد التغييري مضموناً، وللبعد التاريخي زمناً، ضرورية للغاية للتعامُل مع أيِّ “إنجاز” ومع أي “انتكاسة” تعاملاً صائباً هادفاً.
ليس إسقاط رؤوس السلطة المستبدة هو “الإنجاز المطلوب” إن تحقق “انتهت الثورة”.. إنما هو إيذان ببداية مرحلة تالية ومحطّة من محطات الثورة.
كذلك نرى بمنظور الثورة في سوريا وأخواتها، إن التراجُع عن موقع، أو فرض حلٍّ مؤقّت، أو وقوع انقلاب عسكري، أو تنفيذ جانب ممّا يوصف بلعبة الأمم، أو مؤامرات “الفوضى الهدامة”، أو أية انتكاسة مشابهة، ليس هو “نهاية الثورة” إنما يجري تصويره على هذا النحو لننزلق إلى تغييب استمراريتها الحتمية.
فمضمون الثورة “التغييرية” أبعد آفاقاً ومدى، وعند تغييب الإحساس الموضوعي باستمراريتها، يغيب شرط حاسم من شروط متابعة الطريق.
هذا الإطار الشامل فقط توضع كل “جزئية” من الجزئيات في المسار الكبير، مثل مهزلة الانتخابات العبثية في سوريا (وسواها بالتزامن).. بغضِّ النظر عن “الغضب” و”الازدراء” وما شابه ذلك، فكل ذلك إحساس بشري مشروع، إنما الأهم هو أن “المهزلة” مهزلة، بحقيقة عناصرها الموضوعية الهزيلة، فلا تستوقف ثائراً جادّاً يعلم أنها لا تقدّم شيئاً ولا تؤخّر على محور التغيير.
بمنظور المهزلة الانتخابية لرأس العصابة وبمنظور الإسقاط الثوري له وللعصابة على السواء، يبقى من الثابت:
رأس الأخطبوط الاستبدادي الفاسد انتهى أمره منذ اللحظة الأولى لتشبّثه بالهمجية الموروثة في مواجهة الهتافات الثورية الأولى معلنة العزم على التحرر.
وبقايا النظام، انتهى أمرُها، وكتبت بنفسها الدليل على احتضارها عبر استنجادها بميليشيات مستوردة، ولجوئها إلى ممارسات همجية يومية، ثقيلة ولكن دون إنجاز..
ولقد اندلعت الثورة فلم تمنع اندلاعها انتخابات واستفتاءات سابقة في ظل “استقرار القمع”، ويستحيل أن تمنع استمرارها انتخابات واستفتاءات هزلية جديدة، بعد تحطيم أصنام القمع، وأولها حاجز الخوف وأغلال الركون..
انتهى أمر رأس الأخطبوط وأذرعه داخلياً، في قلب الوطن، وهذا هو العنصر الحاسم في تأكيد حتمية إسقاطه، ليكتمل افتتاح البوابة الثورية على طريق المراحل التالية من الثورة.. مراحل تضميد الجراح وبناء المستقبل..
ولكن انتهى أمره دوليا أيضاً بغضِّ النظر عن أن القوى الخارجية المتعاملة معه تحالفاً وعداء، لا تعبأ بانتخابات هزلية ولا حقيقية، وهي ذات تاريخ وحاضر ملوّثين بهذا الصدد، ولكن قام تعاملها معه على قاسم مشترك، يؤدي دوره رغم هشاشته وانكشافه، وهو الأقنعة المزورة المخادعة، والمتكاملة مع بعضها بعضاً، وقد سقطت.. بدءاً بمزاعم احترام الإنسان وحقوقه وحرياته من جهة، وانتهاء بمزاعم ممانعة ومقاومة و”رسالة خالدة” من جهة أخرى.
السؤال الحقيقي المطروح دولياً: متى تحين اللحظة المواتية لينتقل قرار التخلّي عن “الرئيس الدموي الصغير” إلى التنفيذ العلني المباشر.
لن تكون هذه المرة الأولى التي يتخلى الأسياد فيها عن تابع صغير، بتبعية علنية متبجحة، أو عن خصم صغير، يتعاون مع الخصوم المزعومين”، فالتخلي أتى في الماضي، ويأتي دوما عندما يفقد الصغير قيمته في سوق نخاسة اللعبة الدولية، أي عندما تحترق أوراقه وشعاراته، ويستحيل الاعتماد عليه في متابعة أداء الدور المناط به أو المنتظر منه.
وما أسخف التوهم بأن “إعادة انتخاب الرئيس المهترئ” بالتسعات الهزلية أو بدونها، سيجعلهم يحترمون “مشروعيته المزورة” الجديدة، وإن فعلوا فلا قيمة لذلك.
إن الانتخابات بحدّ ذاتها لا تلعب دوراً في أسلوب تعاملهم مع “الصغار”، سواء كانت حقيقية حرة نزيهة أو كانت هزلية مقززة، ومن أراد الشاهد فلينظر إلى أمثلة مشهودة الآن من أفغانستان إلى العراق إلى مصر أو سواها.
ملاحظة
وصف المستبدين الصغار بالصغار يأتي من صغارهم الإجرامي، ويأتي أيضاً من أنهم جعلوا أنفسهم صغاراً في عالمنا وعصرنا بقطع حبل ارتباطهم بالإرادة الشعبية، فهي الوحيدة مصدر ارتفاع قامة الزعماء الحقيقيين.
. . .
ليست مشكلة القوى الإقليمية والدولية، الداعمة للإجرام و”الصديقة” المزعومة للثورة الشعبية ضد الإجرام، مشكلة بقاء رأس الأخطبوط أو قطعه، إنما هي معضلة “الثورة الشعبية” إذ يواجهون من خلالها إرادةً شعبيةً تصنع الحدث على النقيض ممّا اعتادوا عليه.
اعتادوا على الانقلابات.. على الانتفاضات المدعومة خارجياً.. على الغزو العسكري المباشر.. على عمالات صنعتها عقود متطاولة من الهيمنة المتعددة الأشكال.. واعتادوا من خلال ذلك على صناعة “زعماء مزوَّرين جدد” للحلول مكان “زعماء مزوَّرين ساقطين”.. ولكن لم يجدوا أنفسهم قادرين حتى هذه اللحظة على تكرار ذلك في سوريا بالذات، حيث بدأ التغيير بقوة الإرادة الشعبية، كذلك لن تتوقف عجلة التغيير في بلدان الثورات الشعبية العربية الأخرى، رغم الانتكاسات المرئية.
إن معضلتهم هذه هي التي تذكر تحت عنوان “عدم وجود بديل مناسب لهم”، وهي التي تجعلهم يتحالفون واقعياً ضد الثورة ومسارها نحو النصر، تحالفاً يجمع بين مسارات “السلاح المستورد والميليشيات المستوردة” وبين مسارات “السلاح المحظور ومزاعم التخوف من الإرهاب”.. والقاسم المشترك هو التوهُّم أن استمرار النزيف طويلاً في سوريا، سيوجد “البديل” المطلوب.
. . .
إن هذا “الرئيس” الموهوم، الذي لا يملك أمرَ نفسِه، ولا مجرد التأثير، كيف سيكون مصيره؟ لا عبر انتخابات ولا من دونها، أصبح مجرد ورقة مساومات على مائدة أسياده، وستسقط قريباً، فيغتالونه بأنفسهم، اغتيالاً جسدياً أو سياسياً..
والأهم أنه سينتهي وجوده على كلِّ حال، بإرادتهم أو رغماً عنهم، فسواء بدأ تنفيذ تخلّي العالم الخارجي عنه آجلاً أو عاجلاً، يبقى أمرُ إسقاطه وبقايا أعوانه وأذياله، أمراً مُحتّماً لا مراء فيه، شاء من شاء، وأبى من أبى.
هذا – وليس مهزلة الانتخابات العبثية- هو ما ينبغي التّركيز عليه، وهو بعضُ ما يعنيه استمرار الثورة الشعبية التاريخية حتى النّصر، أي حتى يكتمل بناء الأعمدة الراسخة من أجل مستقبل عزيز كريم لا مكان فيه لاستبداد محلّيٍّ، ولا هيمنة أجنبية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث