نسرين أنابلي
قد لا تكون سوريا منتجاً كبيراً للنفط أو الغاز في الشرق الأوسط، إلا أنها قادرة على تحديد شكل خريطة الطاقة الاقليمية في المستقبل استناداً إلى ما ستؤول اليه البلاد بعد سقوط النظام.
فموقع البلاد الجغرافي يتيح منفذاً إلى المتوسط للدول التي ليس لها مخرج الى البحر، والتي تبحث عن أسواق لمنتجاتها من الهيدروكربون والغاز .وأيضاً للدول التي تريد منفذاً إلى أوروبا دون أن تضطر للمرور عبر تركيا.
لذا، وإذا نظرنا الى الموضوع من باب المصالح، فسنرى أن سوريا ما بعد الأسد ستكون حتماً عامل تغيير في قواعد اللعبة في مجال الطاقة.
بغداد وأربيل وأزمة منافذ التصدير
برز العراق خلال الثورة السورية كأحد المتعاونين وبشدة مع نظام الأسد، وذلك على عكس المواقف المؤيّدة للشعب السوري والتي صدرت عن حكومة إقليم كردستان العراق .وهذا الدعم العراقي لنظام الأسد يتزامن مع عودة العراق من جديد كمصدّر كبير للنفط بعد أكثر من ثلاثة عقود من الغياب. وهو يسعى إلى تنويع طرق التصدير الخاصة به .ولهذه الغاية يحتاج بدائل عن الخليج ومضيق هرمز، وعن طريق التصدير التي تمر عبر تركيا إلى مرفأ جيهان.
فقد كانت سوريا فيما مضى تشكل هذا الطريق البديل. فالعراق كان يصل البحر المتوسط من خلالها .وفي بداية الحرب بين ايران والعراق(1980-1988) أقفلت سوريا هذا الطريق في بادرة تضامنية مع إيران.
عاد الطريق، وازدهر لفترة قصيرة بعد انتهاء النزاع، إلا أن العقوبات الدولية التي فرضت خلال حرب الخليج عام 1991، جمدت صادرات النفط العراقي، فأقفل الطريق مرة أخرى.
وبسبب تصاعد حدّة التوتر بين بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق مؤخراً، فيما يتعلق بحقوق استغلال النفط في الإقليم الكردي، أصبح الوصول إلى المتوسط عبر سوريا ملحّاً أكثر بالنسبة للحكومة العراقية .فخط كركوك– جيهان الحالي يمر من منطقة فيشخابور في محافظة دهوك الخاضعة للسيطرة الكردية .حيث أن سلامته متوقفة على حسن نية الأكراد.
بالإضافة إلى تنازع بغداد وأنقرة حول ما يصفه العراق “بالتدخل التركي” في عقد اتفاقيات مباشرة مع حكومة إقليم كردستان لتصدير النفط والغاز.
بالمقابل بغداد ليست الوحيدة التي تضع نصب عينيها طريق تصدير النفط الذي يمر عبر سوريا .فحكومة إقليم كردستان العراق ترى أيضاً أن التغيير في دمشق من شأنه أن يتيح طريقاً جديداً للتصدير إلى المتوسط كبديل عن الطريق التركي. وهذا الأمر وارد في حال حصل الأكراد في سوريا على حكم ذاتي بعد سقوط النظام.
ايران وروسيا واستراتيجيات الطاقة المسقبلية
تمتلك إيران أيضاً مصالح استراتيجية كبيرة في سوريا وهي لم تتوانَ عن دعم النظام مالياً وعسكرياً .فوحده نظام الأسد الحالي يفسح المجال أمام إيران لتوسيع نطاق صادراتها من الغاز الطبيعي غرباً في حقبة ما بعد العقوبات.
حيث تسعى إيران لأن يكون الغاز الإيراني بديلاً عن واردات الغاز المصري في سوريا والمتوقفة حاليا منذ تغيير النظام في مصر.
وعلى المدى الطويل، تتطلع إيران إلى الوصول إلى الأسواق خارج منطقتها والمتوسط مرورا بالعراق وسوريا.حيث يتيح لها ذلك إمكانية الوصول الى أوروبا في حال رفعت العقوبات عنها.
مصالح روسيا في سوريا الجديدة كبيرة هي الأخرى .إذ تتعدى مصير سلالة الأسد لتطال أسئلة تتعلق بمن سيصدر الغاز في المستقبل؟ وأي غاز؟ ومن أين؟ والى أي طرف؟
في الواقع تريد روسيا من خلال ضمان حصتها في تقسيم مناطق النفوذ والمصالح مع القوى الأخرى أن تحرص على أن تكون لها كلمتها في منطقة الغاز الناشئة في شرق المتوسط، والتي تشمل قبرص وإسرائيل وتركيا ولبنان .وإذ تعي موسكو مساعي أوروبا المعلنة لتحرير نفسها من الاعتماد على الغاز الروسي، تحرص على ألا يتنافس أي مشروع لتصدير الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا مع خطط التصدير الخاصة بها عبر الخط الحالي ” بلو ستريم” الذي ينقل الغاز إلى تركيا مرورا بالبحر الأسود، وخط أنابيب ” ساوث ستريم” لنقل الغاز إلى أوروبا.
سوريا الجديدة وخارطة الموارد
إن أي نظام سينشأ في سوريا بعد سقوط نظام الأسد سيعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة .فالتنافس كبير على المخزون والأسواق، وأيضاً من أجل السيطرة على طرق نقل موارد الطاقة .وشكل خريطة الطاقة في المستقبل يتوقف على هوية الرابحين والخاسرين الإقليميين والدوليين.
فإذا قام نظام جديد يتحالف مع تركيا السنية أو دول الخليج، فقد يأتي ذلك بالنسبة للعراق وإيران على حساب التعاون المستقبلي في مجال الطاقة.
وقد يشكل ضربة لطموح هاتين الدولتين في الوصول مباشرة إلى المتوسط دون أن تضطرا للاعتماد على حسن نية تركيا. كذلك تستدعي المصالح الروسية في المنطقة قيام نظام صديق يأخذ هذه المصالح بعين الاعتبار .أما إذا تحالف النظام الجديد مع الغرب، فسيشكل ذلك عائقاً أمام تواجد روسيا المتوسع في أرجاء حوض الغاز الناشئ في شرق المتوسط.
ولا ننسى أيضا الدور الكردي ومدى الاستقلالية التي سيمنحها النظام الجديد للأكراد في سوريا، والتي يتوقف عليها قدرتهم على إقامة منطقة مستقلة ضمن دولة جديدة، والذي سيساهم في تحريرهم من ضغوط أنقرة وبغداد وإقامة طريق مباشر لتصدير منتجاتهم من الهيدروكربون عبر الأراضي الكردية السورية.
ربما ما سبق يفسر ولو بشكل بسيط تخاذل المجتمع الدولي عن دعم ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد خلال ثلاث سنوات.
فهي بالنسبة لنا ثورة حرية وكرامة وحقوق. أما بالنسبة لهم فهي استراتيجيات وخطط مستقبلية لتغيير وتقوية النفوذ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث