الرئيسية / منوعات / منوع / ماركيز .. مازال قلبك ينبض

ماركيز .. مازال قلبك ينبض

مرهف دويدري

(لو وهبني الله حياة أطول .. لكان من المحتمل ألا أقول كل ما
أفكر فيه
.. لكنني بالقطع كنت
سأفكر في كل ما أقوله
..كنت سأقيّم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية .. بل وفقاً لما تنطوي عليه من معان ) بهذه الكلمات افتتح غابرييل غارسيا ماركيز وصيته التي
كتبها على فراش المرض الذي عانى منه، “غابو” – كما كان يطلق عليه
الملايين من محبيه – هو من أشهر كتّاب اللغة الإسبانية، أو ربما الأشهر على
الإطلاق؛ خاصة بعد رائعته “مائة عام من العزلة” التي كتبها عام 1967،
وبيع منها وحدها أكثر من 50 مليون نسخة مترجمة إلى أكثر من 25 لغة عالمية حية.

ولعل العزلة
التي رافقت “غابو” في معظم كتاباته هي ثمرة هذه الحياة المغلقة التي
يعيشها سكان المناطق التي ابتليت بعسكرة السلطات، أو الانقلابات والأنظمة الشمولية
التي تعدّ أي جديد في حياة شعوبها، ما هو إلا بمثابة مؤامرة على هذا الشعب
والانتصار على أية ثورة هو انتصار لهذا الشعب، لأن النظام الحاكم مازال على كرسيه،
ويحكم شعبه بالحديد والنار..

الأعمال الأدبية التي كتبت باللغة الإسبانية، وخاصة
الأدب الذي ينتمي إلى منطقة أمريكا اللاتينية هي الأعمال الأكثر انتشاراً بين
المثقفين والقراء العرب عموماً، على الرغم من المسافات البعيدة والارتباط اللغوي
والجغرافي بين المنطقة العربية والدول الأوربية، بشكل أكبر من ذاك الارتباط مع
أمريكا اللاتينية، حيث أن البلدان العربية كلها تدرس الفرنسية أو الإنكليزية كلغة
ثانية، ولكنك لن تجد من يدرّس الإسبانية!

إلا أن كتّاباً
من أمثال إزابيل ألليندي – باولو كويللو – جورجي أمادو – إرنست همنغواي – غابرييل
غارسيا ماركيز، استطاعوا أن يجتاحوا المكتبات العربية لتكون لهم رفوفهم الخاصة،
ويحتلوا ربما المرتبة الأولى من حيث عدد القراءات، منافسين للأدباء العرب، وكتب
التراث العربي، ويعود ذلك إلى عدد من الأسباب التي جعلت التجربة الأدبية اللاتينية
تدغدغ قلوب قراء العربية، ويعتبرون أن الأدب في أمريكا اللاتينية هو الأدب الأكثر
تماساً مع تفاصيل الحياة في منطقة شرق المتوسط، حيث يستباح كل شيء، ويغدو الإنسان
وآدميته مطية لتلك البساطير كي تطبق على رقاب البلاد والعباد التي دُمِّرت على مدى
عقود من القهر والحرمان!

ربما ما حدث من
هجرات في بدايات القرن العشرين إلى أرض الأحلام
(القارتان الأمريكيتان الشمالية والجنوبية) حيث أقيمت الجمعيات الثقافية
العربية في هذه الدول، مما ساهم إلى حد بعيد في إيجاد هذا التواصل الفكري والثقافي
الذي نقل على متن أحلام المهاجرين الذين عانوا ما عانوه من بؤس وشقاء في أرض
أحلامهم التي تحوّلت إلى كوابيس دمرت تلك الحيوات التي حلموا بها لتبقى حياة
واحدة. تلك الحياة المتبقية تشبه إلى حد بعيد ما عاشوه في شرق المتوسط الذي رحلوا
عبر أمواجه من تعاسة وقهر.. وهذا تماماً ما نقله كتّاب هذه الأرض عن الشقاء..
والبؤس.. والعزلة

وربما يكون هذا التشابه العميق في تجربة المنطقتين
البعيدتين جغرافياً، القريبتين في كمية القهر الموزعة على شعوب المنطقتين مصدر هذا
التفاعل؛ الابتلاء الذي اجتاح هاتين المنطقتين من أنظمة شمولية تحت شعار الوطن،
والمواطن، وما رافقها من انقلابات وأحكام عسكرية، وعسكرة كل شيء حتى اللباس
المدرسي، على مبدأ أن الوطن يحتاج كل أبنائه المخلصين في الدفاع عنه، وفي حقيقة
الأمر هو دفاع عن الحاكم العسكري الذي يدوس شعبه ليرتقي إلى كرسيه على دماء
الشعوب؛ هذا التقارب الذي أفرز تشابهاً في الهموم والمحن، تشابهاً في الابتلاء،
مما خلق حالة التفاعُل هذه من قبل أبناء المنطقة العربية مع الأدب الذي ينتمي إلى
منطقة أمريكا اللاتينية.

ماركيز الذي امتهن، العزلة يؤكد لنا أن أي مكان في هذا
العالم يمكن أن يدخل في عزلة مطلقة ولو دامت مائة عام، ما دام هذا الإغراق الغريب
في عسكرة كل شيء، ولعل المنحى الدائري الذي اتخذه في رواياته هو تأكيد على أن
الزمن يعيد صناعة طواغيته وشعوبه، التي مصيرها الوحيد هو محرقة الزمن
والديكتاتورية مهما اختلفت الأسماء أو تشابهت، فهي الأفكار والأنظمة الشمولية ذاتها
التي تحكم باسم الله والوطن، أو باسم الحاكم والوطن، حيث يتحوّل الحاكم إلى إله
مطلق!

أغمض غابرييل غارسيا ماركيز عينيه للمرة الأخيرة بعد أن
قال لنا في وصيته:(
وكان
اليوم هو فرصتي الأخيرة، فإنني أقول كم أحبكم!!
)
لتنتهي الأعمال الواقعية العجائبية التي عمل عليها ماركيز طوال حياته الأدبية،
وهذا الخيال الذي نسجه مع الواقع الروتيني هو من سيجعل قلب ماركيز ينبض بالحب
ليمنحنا الحيوات العديدة بعد كل قراءة لرواية سكب بها روحه على أديم الورق، كي
تطير مع الهواء وتسكن أرواح عشرات الملايين الذين طارت إليهم كلماته…

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *