الرئيسية / منوعات / منوع / الوطنية السورية ومصيرها

الوطنية السورية ومصيرها

عمّار الأحمد

تشظّى الإجماع السوري بخصوص الوطنية، وسُيِّس المفهوم
إلى أقصى حد. وأصبح موضوع مرجعيات يائسة وبائسة، كالقول: وما الوطن إن لم يكن
محققاً للمواطنة؟ وهل يوجد وطن حقاً بوجودِ نظامٍ فاشي؟ ويكتمل البؤس حينما يطالب
البعض، وبسبب ذلك بالتدخل العسكري أو الالتحاق بتركيا أو طلب تدخل إسرائيلي ينهي
النظام. هذا تفكير مخصي عن الفهم. لنوضح القصد.

الوطن شعب وأرض وسلطة أولاً، وبغضِّ النظر عن ماهية هذه
المفاهيم. وبالتالي لا يمكن لأي عقل سوي إلا الاعتراف بهذه الثلاثية، والعمل بكلِّ
السبل على الارتقاء بحقوق الإنسان وتطوير الاقتصاد والنظام السياسي؛ الثورات تنطلق
للارتقاء بشروط الناس، والوصول إلى حياةٍ أفضل؟ فكيف يتم ذلك؟

هذا يتم في أرض محددة وعبر الناس أنفسهم، وبالتالي كل
تغييب للبعد الاقتصادي والسياسي والوطني الجامع، سيؤدّي إلى أن يحضر غير الاقتصادي
وغير السياسي وغير الوطني الجامع. ما حل بسوريا ومن جراء فاشية النظام وانتهازية
المعارضة، أن النظام قتل كلّ روحٍ وطنية، والمعارضة أكملت على المتبقي، أيّ رفضت
النظر لحياة الناس، وذهبت نحو قيم أخلاقية بائسة، وطلبت مباشرة تدخُّلاً عسكرياً،
والنظام ذاته أطاح بسوريا، وطلب الدعم الروسي والإيراني ونسق كل العمل الدولي والإقليمي
لنسف الثورة في مهدها. ولأنها ثورة شعبية بامتياز لم تخمد سريعاً وربما لن تخمد
كذلك إلا بإسقاط النظام. المعارضة ومن خلفها داعموها والنظام ومن خلفه داعموه
فتتوا أيّ بعد وطني للثورة.

الناس الذين
عانوا الأمرّيْن ضاعوا بين صراعات النظام والمعارضة، وعادوا، ومن جراء ذلك وبدفع
من قوى أصولية كالإخوان المسلمين، ولاحقاً الجهاديين، وبدفع إقليمي نحو التفكير
والتسييس الديني البسيط منه والطائفي كذلك، ليصبح السوريون بتشوُّش كبير لجهة
أهداف ثورتهم وماهية الحقوق التي يطالبون فيها، وفي كيفية الوصول إليها كذلك.

وبتتالي السنوات الثلاث للثورة، فإن النظام شجّع وطنيته
الخاصة به والقائمة على تمجيد السلطة كما كان يفعل، فالوطنية هي تمجيد السلطة
واستبداديتها، وتتحدد برفض الآخر. طوّرها إلى رفض الثورة، لتصبح الوطنية رفضاً للثورة
ولأهلها كذلك، وليصبح الشعب الثائر جزء من مؤامرة الخارج ضد “الوطن”
السوري، وبالتالي يستحق السحق وو. في الجهة الأخرى ولدى الكثير من مؤيدي الثورة
الشيء ذاته، حيث السلطة ومواليها كلهم فرس وأنجاس وصهاينة وفطائس في حال موتهم،
وبالتالي لا بد من سحقهم والتخلص نهائياً من رجسهم ونسلهم اللعين. الصراع حين لا
يكون بلا أهداف جامعة يذهب هذه الجهة، وقد استفادت القوى الأصولية والجهادية
والخارجية من كل ذلك، وعمّمت رؤيتها الطائفية والأصولية، وتكاد تطيح بكلٍّ بعد
وطني حقوقاً وأرضاً، والسلطة كمفهوم كلي يمثل كلية المجتمع.

أخطأت المعارضة بتبنيها رؤيةً قاصرةً عن الثورة، ودفعتها
نحو الخيارات الأسوأ، وتعقدت مشكلات الثورة كثيراً. ولكن وبغياب أي بعد تطوُّري
إقليمي ودولي، أقصد إمكانية إقامة تجمعات سكانية كبيرة، يصبح التفكير مجدداً
بالأرض والسكان والسلطة، وبما يحقق أهداف الثورة قضية مركزية. وبالتالي هناك ضرورة
لإعادة النظر بكل رؤية الثورة، وتغييرها وتغيير سياساتها وبرامجها مجدداً؛ فالثورة
شعبية ولا بد أن تكون لمصلحة كل السوريين، وهذا لا يتحقق دون أهداف تخصُّ الجميع
ومهما كان حجم الصراع وأهواله. أقصد أن السوريين سيعودون وبمجرد إسقاط النظام أو
الوصول إلى حل سياسي ما، إلى حياتهم، أي إلى تحقيق أهداف الثورة.

تحقيق هذه القضايا غير ممكن دون الارتقاء ببرامج تخصُّ
خططاً للصناعة ولتأمين فرص عمل لملايين الفقراء، ودون تطوير الزراعة ودعم
الفلاحين، وغير ممكن دون إعادة الخدمات الطبية والتعليمية المجانية للسكان كافة،
وكذلك غير ممكن دون عملية ديمقراطية لا تقصي أحداً، وتدخل الجميع في بناء حياتهم،
أي وطنهم وعلى أرض محددة بالطبع. السوريون أيها السادة، لا يعيشون في الفضاء ولا
في جوف الأرض، بل على أرض محددة، وهم متنوّعون
دينياً وقومياً، وبالتالي أسوأ ما عمّم أنّه لا توجد وطنية، ولا توجد روابط
مجتمعية، ولا بد من الانتهاء من كل ما كان، لأن النظام احتكر كل شيء. وهذا هو
تفكير السلطة، وهي لم تتوقف عن إنهاء كل ما يهدد سلطتها ولو رهنت سوريا لإيران
والروس بل وحتى لحزب الله!.

مصير سوريا، لا يمكن إلا للسوريين تشكيله مجدداً كدولة
جامعة للكل السوري. هذا غير ممكن دون التخلُّص من أوهام العجز التي تعيشها
المعارضة، وتغييبها لأيِّ بعد داخلي يطوّر الثورة، ويوصلها إلى تحقيق أهدافها؛
وبالتالي فإذا كان النظام قد دمّر سوريا، وقتل الشعب، فإن المعارضة لم تفعل شيئاً لإيقاف
ذلك؛ فسياساتها كانت تساهم في ذلك الدمار وذلك القتل.

الوطنية الجديدة، ستكمل الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي،
الذي حققه السوريون مجتمعين بثوراتهم التاريخية، وبمختلف أشكال نضالاتهم، وبرفض أي
تقسيم لسوريا، وهذه الروح هي ما دفعتهم لروح وطنية وقومية كانت تشكل نسيج علاقاتهم
وهويتهم كذلك، ولا سيما إزاء فلسطين.

النظام قتل تلك الروح بفاشيته، والمعارضة لم تفهم ذلك، ولم
تتبنَّ الوطنية كمفهوم حامل لكل أهداف الثورة. وهو ما أعطى النظام إمكانية اللعب
على هذه القضية والذهاب بها نحو تأبيد وطنيته الشمولية، وتحويلها إلى حاملٍ أتاحت
له استقدام المليشيات الطائفية لقتال الشعب والاعتماد على روسيا وإيران بحجة دفاعه
عن سوريا.. وهكذا.

الوطنية لا تتجاهل حقوق كلِّ الناس، ولا أرضاً محددة
يعيشون عليها، وترفض كل شكل للتبعية السياسية أو الدولية والإقليمية، ولا يكتمل
هذا الفهم دون موقف محدّد من إسرائيل ككيان صهيوني محتل لفلسطين بأكملها وللجولان،
ودون موقف محدّد حتى من تركيا، وإعادة طرح قضية لواء إسكندرون كجزء من سوريا،
وإيجاد أشكال معينة للعلاقة معها. تمييزنا هنا، يتأتى من أن إسرائيل كيان استيطاني
إمبريالي، بينما تركيا دولة مجاورة، وجزء من المنطقة، وبالتالي لا بد من تعامل
مختلف، وهذا ما سيكون حالما يتملك السوريين ذاتهم من جديد.

مصير سوريا مهدّد بأخطار كبيرة، وتلك الأخطار يمكن
تذليلها تباعاً باعتماد رؤية وسياسات وأهداف جديدة للثورة تتطابق مع أصلها كثورة
شعبية، وتهدف لحياة أفضل لكافة السوريين.

مفهومُ الوطنية يساعد في محاصرة المخاطر، وفي إنهاء
النظام سريعاً. المعارضة لن تفهم ذلك، الشعب هو من عليه إعادة الروح لثورته بعيداً
عن دجل المعارضين، ولا بد من تشكيل رؤية وسياسات وبرامج تخص ثورتهم وتحقق وطنية
جامعية لكل السوريين.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *