الرئيسية / رأي / من سرق الثورة؟

من سرق الثورة؟

ثائر الزعزوع
رائعٌ ما يستطيع العقل أن يتخيله في لحظات الصمت الطويلة التي تعتريه، طبعاً وأنت جالس في زاوية ما، مبتعداً قدر المستطاع عن وسائل الإعلام التي لا تريد أن تهدأ أبداً، رائع كم كان يبدو المشهد استثنائياً، وأنت تعيد تصوُّر الحكاية منذ بدايتها البعيدة، أي منذ أكثر من ثلاث سنوات، حين كان صوت واحد كفيلاً باهتزاز نظام ثابت على مدى أربعة عقود، صوت يأتي من شارع فرعي في مدينة صغيرة أياً تكن تلك المدينة وأياً يكن عدد سكانها، رائعٌ، كم كان المشهد مليئاً بالسحر والقوة!! صوت يرتفع عالياً يمزّق جدران الخوف المحيطة بنا، ويخترق بعبقرية لا مثيل لها أسوار القلعة القائمة على القمع والاستبداد، كانت مظاهرة تضمُّ عشرين أو ثلاثين شخصاً تنطلق من أول الحارة إلى آخرها، يصعد شاب لم يكمل العشرين على أكتاف أصدقائه، يهتف دون أن يخاف حرية، فتبدأ السماء بالمطر… 
كان ذلك في ربيع لم تعرف الأرضُ مثله على الإطلاق، شتاء استثنائي مليء بالحب والانطلاق، مليء بكلِّ ما في الإنسانية من معانٍ وما في الثورة من قوة على التغيير أيضاً.
 مظاهرة أخرى في شارع آخر، ثم مظاهرة ثالثة ورابعة، والجاثم على صدر شعب حالم بدأ يتململ، اهتزت أركانه، كانت الصورة أقرب إلى الخيال، مقطع فيديو صغير لم يتجاوز ثلاثين ثانية كان كفيلاً بكل شيء، وكان قادراً على تغيير وجه التاريخ، يظهر في المقطع شاب يخفي وجهه بقطعة قماش بيضاء، وآخر يبتسم لكاميرا الهاتف الجوال، وهو يلوّح بيده، وهنالك في الزاوية فتاة تحمل علماً، وبعض الشبان كتبوا على عجل كلمة حرية، وركضوا، وهنا وهنالك أيضاً، هيا اركضوا ثمة دورية، ثمة سيارات قادمة، حرية حرية حرية… يتوقّف التّصوير، تهتزُّ يد المصور، لكنْ كل شيء تغير، كل شيء تغير، ولم يعد كما كان، هنالك في شارع ما، في مكان ما، في مدينة تدعى دمشق، كان مقدراً لكل شيء أن يتغير، ولماذا لا تتغير الحكاية ما دام شخوصها قد تعبوا من الراوي، ومن تفاصيله.
الحكاية كانت منذ البداية صوتاً يهتف للحرية، لم تكن بندقية فقدت في الزحام هدفها، وصارت تبحث عن هدف جديد إن كان ثمّة مَنْ يدفع أكثر، ولم تكن الحكاية جهادياً ضلَّ طريقه بين أصوات الدعاة، ووجد ضالته في سوريا، حين قال له شيخه: إنها أرض الجهاد. لم تكن تكفيراً، ولا طوائفَ، لم تكن قوميات أو مناطق، لم تكن داعش وحالش ونصرةً، ونفيراً، ولا أياً من هذه التسميات، لا جهاديين ولا مرابطين، لا وعوداً ولا عهوداً، لا تحالفات، ولا اتفاقيات، لا مجلساً وطنياً ولا ائتلافاً. ولا هيئة تنسيق، ولا تيارات. 
لم تكن الحكاية سوى سوريين حالمين، رفعوا أصواتهم عالياً بعد عقود من الصّمت والخوف والسجون المظلمة، تلك كانت البداية، وذكّرْ إن الذكرى تنفع المؤمنين، ومن أكثر من السوريين إيماناً بسوريتهم، ومن أكثر منهم حباً للحياة وللفرح، ومن أكثر منهم عشقاً للهو والمرح والغناء، ومن يسبقهم ليقف الأول على الدبكة يحمل مسبحته، ويلوّح بها؟
في كلِّ مقطع فيديو سُرِّب، ثمّة تفاصيلُ كثيرةٌ، ثمة تحدٍّ لم يعرف سفاحو الأجهزة الأمنية كيف يمكن أن يوقفوه؟ ثمة زحف مقدس لم يستطيعوا أن يصادروه، ولا أن يحدوا من امتداده، من شارع فرعي في دمشق، إلى ساحة في درعا، إلى دير الزور، وإدلب وحماه وحمص، إلى القامشلي، آزادي، حرية، كرامة، لغة جديدة، أقوى من راجمات الصواريخ، وأقوى من الدبابات والمعتقلات، لغة لا تشبه اللغة، وحلم عظيم لا يشبه باقي الأحلام. 
هناك في سوريا، ذلك البلد الصغير المطل على المتوسط، بدأت حكاية لا تشبه باقي الحكايات، هكذا سيقول الراوي لجمهوره ذات زمان: كان يا مكان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان. قامت ثورة لا تشبه باقي الثورات، فانقضّ عليها الذئاب والغربان، وساوموها أن تسكت، لكن…
فمن سرق الثورة منا؟ وهل نستطيع حقاً أن نعيد كتابة الحكاية من جديد؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *