الرئيسية / رأي / بين يدي الثوار.. “ما بال أقوام”؟

بين يدي الثوار.. “ما بال أقوام”؟

نبيل شبيب
لا ينبغي لكم أيها الثوار الأحرار في ألوية وكتائب متعددة أن تضعوا أنفسكم بأنفسكم في قفص الاتهام، فتلك مهمة يحاول القيام بها سواكم، ولا ردّ عليها إلا بأن تثبتوا بصواب أعمالكم سلامة نواياكم على أرض الواقع، وإلا فما عساكم فاعلين بقوله عز وجل {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}!..
. . .
أصبح كثير من “البيانات” الصادرة عن هذا اللواء والمجلس العسكري أو ذاك وهذه الكتيبة والقيادة أو تلك لا يطرح ما “يبين” مجرى جبهة جديدة أو سابقة، بقدر ما “يبين” موقفاً يدرأ فيه عن أصحاب، أنهم فعلوا كذا وكذا، وغالباً ما يقترن الكلام بتوجيه الاتهام لجهة ثورية أخرى تأكيداً لتبرئة النفس من عمل ما، مرفوض شعبياً وثورياً. 
لا شك في وجود حالات صارخة يجب أن يكون البيان فيها واضحاً وقوياً ومباشراً وصريحاً، وفي الوقت نفسه هادفاً لتحقيق مصلحة ثورية عليا، وهذا ما يمكن قوله عن ممارسات قيادات “داعش” وقد انحدرت إلى حضيض توجيه الضربات المباشرة للثورة والثوار، بتنسيق مسبق أو تكامل لاحق مع ما تصنعه بقايا النظام الفاجر والميليشيات المستوردة، كما حصل في “البوكمال” مؤخراً أثناء تقدُّم الثوار في أكثر من جبهة.
ولكن لا يمكن أن تسري قاعدة بيان الموقف بقدر الضرورة والمصلحة على ما يقال عن بيان الموقف على صعيد الكتائب والألوية والمجالس الثورية جميعا، ولاسيما وأن معظم ما صدر من “بيانات” يتجاوز الحدود المشروعة إسلامياً، والمفروضة “ثورياً” والضرورية مصلحياً، حتى أصبح بعضها “هدية” يقدّمها الثوار بأنفسهم للجبهة الاستبدادية الفاسدة، ومن تفرّغ منها من أجل ممارسة حرب نفسية معنوية مباشرة لا تقل شراسة عن همجية استخدام الأسلحة السامة، وكذلك أصبحت “هدية عبثية” للذين يصنعون شبه صنيعهم ممّن يعدون أنفسهم “ناصحين”، فكأنهم يشاركون في إلقاء البراميل المتفجرة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يزعمون ضرورة تطهير الثورة، وهم يقولون إنها انتهت، أو يزعمون النقد البناء وهم يمارسون الهدم، ويعلمون حق العلم أن كلامهم العلني بلا حساب لا يبدل ولا يغير من الواقع الفعلي على الأرض شيئاً، فهم لا يطرحونه حيث يمكن أن يأخذ الإصلاح” مجراه على وجه الاحتمال، هذا بغضِّ النظر عن حقيقة حجم السلبيات والإيجابيات، فمن المستحيل محاربة السلبيات عبر الإسهام في نشر الوهن، والوهن أخطر من خسارة هذا الموقع أو ذاك في مسار الثورة، فهو يؤدى إلى الخسارة الشاملة.
. . .
ليس فيما سبق ما قد يتوّهمه المتوهمون أنه “صك براءة” بصدد ما انتشر من أخطاء رهيبة بحد ذاتها وبنتائجها، فلا يملك أحد توزيع صكوك البراءة أصلاً، ولا يخفى على أحد أن الأمراض الذاتية أخطر على الثورة من الأسلحة الكيماوية.
بتعبير آخر: الثوار يحملون فوق أعبائهم الثقيلة في مواجهة الهمجية الأسدية وحليف يدعمها وصديق يشتمها ويمررها.. عبئاً آخر، أن يعملوا بأنفسهم على مداواة الجراح السلوكية كالجراح الجسدية، وأن ينطلقوا من أن دفاعهم عن أهلهم حيثما استطاعوا يشمل جميع الميادين وليس جبهة القتال المباشر فقط.
ولكن.. أصبح كثير من المخلصين يتناقلون „البيانات” المشار إليها، ولأن الظن الغالب عنهم أنهم مخلصون، ترتفع نسبة من يسمع منهم، وسرعان ما يثيرون من المناقشات في عالم افتراضي ما لا يصل بمفعوله إلى “الإصلاح العملي” قطعاً، ولكن يصل إلى أعداد كبيرة ممن ينتظرون “الفرج” فيتحوّل ما يقرؤون دون أن يشهدوا عليه بأنفسهم، إلى معول يضرب في البقية الباقية من الآمال، ويغيّب عن الأنظار حقيقة وجود أمور أخرى، تحدث على أرض الواقع في اتجاه تحقيق الآمال.
وقد يواجه أولئك المخلصون السؤال الاستنكاري: علام تنشرون ما تنشرون، وهل أنتم متأكدون من صحة ما فيه؟.. فيأتي الجواب غالباً: لم نصنع سوى أن نقلنا “البيان” ونسبناه إلى أهله.. أي إليكم أيها “الثوار”.. فلئن كان خطأ أولئك المخلصين أنهم نسوا تطبيق قول المعصوم “كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما يسمع”.. فإن خطأكم أكبر وأخطر، فأنتم بذلك “المصدر”، أي الذريعة لتبرير ما يصنع كل ناشر لأمر من الأمور دون تحقيق، ولكلّ مبالغٍ في حقيقته دون تردُّد، وكل مروّج له لزيادة الطين بلّة دون تفكير. 
. . .
ليست المسؤولية الثورية التي تحملونها مسؤولية حمل سلاح وتسديد رمية فحسب.. فالقتال “وسيلة” لم يأذن العزيز الحكيم بها إلا بشروط، وشروطها ليست كامنة في “كيفية استخدام السلاح” بل في “كيفية إدارة المعركة” وفي كيفية التعامل مع ما يقع خلالها من “نكسات” ولو كان بحجم “أحد” أو يواكبها من سلوك ولو بلغ مستوى “حديث الإفك”.. هذا فضلاً عن “كيفية الاستعداد” للتعامل مع ما تحققه المعركة من أهداف ونتائج على أرض الواقع.. ومن أراد فليرجع إلى ما ورد في سورة الحج حول مواصفات من أذن لهم بالقتال، ثم ما ورد في كيفية التعامل مع أحد وحنين والتعامل مع بدر والفتح، ولتكن هذه الرجعة إلى النصوص القرآنية نفسها، ففيها من البيان ما يغني عن سواها، حتى من لم يعرف من لغته العربية أكثر ممّا تفرضه حاجاته الدنيوية اليومية.
ومن ذلك ما يعالج صنيع الذين يتسابقون على نقل كل غث وسليم، ولا يميّزون بين صحيح وسقيم، بل لا يفكرون بما يترتب على فعلهم، وكأنهم لم يقرؤوا قط:
{إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم}.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *