*صبر
درويش
يشهد محيط العاصمة
دمشق حرباً عنيفة تشنها قوات الأسد على محيط العاصمة القريب، وتتركز المعارك على
مدينة المليحة جنوب الغوطة الشرقية، وعلى حي جوبر الدمشقي شرقي دمشق، بينما القصف
المدفعي وغارات الطيران الحربي فلا توفر مدينة أو بلدة في أرجاء الغوطة الشرقية.
وما يثير الانتباه
في هذه الحرب وصول أصدائها إلى قلب العاصمة دمشق، إلى أحيائها وشوارعها، وإلى
المناطق التي تعدُّ عادة خطوطاً حمراً من الاستحالة الوصول إليها.
فخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية كانت قد سقطت
العشرات من قذائف الهاون على أحياء مختلفة من العاصمة، حيث سجل سقوط قذيفة هاون في
منطقة باب توما، واقتصرت الأضرار على الماديات، كما سقطت عدة قذائف بالقرب من الجسر
الأبيض، وسجل وقوع ٣ إصابات، وسقوط قذيفة هاون في بستان الدور في منطقة الصناعة،
وسقوط قذيفتي هاون على حي العمارة وسوق الهال بالقرب من شارع الثورة واستشهاد شابين
وإصابة 11 آخرين، وسقوط قذيفة على حي التجارة ومقتل امرأة وإصابة ٦ آخرين.. .
بينما شهدت مدينة جرمانا الواقعة شرق العاصمة دمشق
إلى الجنوب من الغوطة الشرقية، وعلى تخوم مدينة المليحة، سقوط قذائف الهاون أكثر
من غيرها، حيث تجاوزت قذائف الهاون التي سقطت على المدينة منذ بداية حملة قوات
الأسد على مدينة المليحة قبل حوالي العشرة أيام إلى حوالي الخمسين قذيفة، والتي
سقط على إثرها العديد من القتلى والعشرات من الجرحى.
تقول السيدة وردة من سكان المدينة: “منذ عشرة
أيام وقذائف الهاون لم تتوقف عن السقوط على أحياء جرمانا، حيث تركز سقوطها على أحياء
الروضة وساحة السيوف وحي الجناين، وعلى أغلب المناطق القريبة من المليحة، حيث تواجد
الحواجز التابعة لقوات النظام، ومن الملاحظ أن الضحايا أغلبهم من المدنيين”
على إثر ذلك عمدت الجهات الحكومية في المدينة على
إيقاف الدوام الرسمي في المدارس، كما تكثف التواجد الأمني والعسكري في أحياء
المدينة، كل هذا أشاع جواً من الهلع بين السكان، بينما مازالت الحياة طبيعية نوعاً
ما فالناس مازالت تخرج للعمل والتبضُّع وتقل الحركة عند اشتداد القصف من جهة النظام
على المليحة، كما تخبرنا وردة.
كل هذا أشاع حالة
من الاستياء لدى سكان المدينة من موالين للنظام أو لدى المعارضين له، حيث بدأت
مدينة جرمانا تتحوّل إلى منطقة عمليات عسكرية تدريجياً، ومن المعروف أن المدينة
يقطنها في الأصل حوالي الــ 300 ألف نسمة، وكان هذا الرقم قد تضاعف إثر حالة
النزوح التي حصلت من مدن وبلدات الغوطة الشرقية، ومن المنطقة الجنوبية حيث كانت
جرمانا مقصد المئات من العائلات النازحة.
وفي الوقت الذي
يحمل البعض قوات المعارضة المتواجدة على تخوم بلدة المليحة مسؤولية سقوط هذه
القذائف، يشكك البعض الآخر في أن قسماً كبيراً منها، تقف قوات النظام خلف سقوطها
على المدينة، وذلك في إشارة إلى محاولة النظام تحريض سكان المدينة ضد قوات
المعارضة عبر تحميلها مسؤولية سقوط هذه القذائف وإصابة المدنيين.
من جهة أخرى وحسب
شهود عيان من المدينة، فإن مدافع النظام وراجمات الصواريخ تنتشر داخل الأحياء
السكنية، بالقرب من الفرن العسكري حيث تتواجد مفرزة للأمن العسكري، وفي حي التربة
آخر جرمانا وفي أماكن أخرى، وهو ما يؤدي إلى سقوط القذائف على هذه الأحياء عندما
تقوم قوات المعارضة بالرد على مصدر النيران.
وفي هذه الأثناء، كَثُرَ
الانتقاد الموجّه لقوات المعارضة بسبب سقوط هذه القذائف وإصابتها للعديد من
المدنيين، بينما طبيعة المعارك الجارية، وتقصُّد قوات الأسد نشر قواتها في الأحياء
المدينة، فيضع قوات المعارضة في مأزق أخلاقي، بين ضرورة الرد على نيران قوات
النظام، وبين عدم رغبتهم في إلحاق الأذى بالمدنيين. حيث يقول أحد المقاتلين في حي
جوبر والمسؤول عن إحدى مجموعات مدافع الهاون: “عشرات المرات ألغينا عمليات
القصف بمدافع الهاون بسبب ورود معلومات تشير إلى تواجد مدنيين في المنطقة، ونسعى
دائماً عبر الأشخاص المرتبطين معنا والمتواجدين داخل دمشق إلى الحصول على معلومات
حول تواجد المدنيين، ولكن هذه مهمة في غاية الصعوبة، وهو بطبيعة الحال ما يميز حرب
المدن، حيث يسقط العديد من الضحايا الأبرياء”.
في كل الحروب،
وتحديداً في حروب المدن، يدفع المدنيون ضرائبَ باهظةً، ويسقط العشرات في أوساطهم،
وهي كلفة باهظة، يبدو من الصعب تلافيها، وخصوصاً عند وجود خصم كقوات الأسد، يجعل
من هؤلاء المدنيين دروعاً له. اليوم لا مكانَ آمنٌ، لا في قلب العاصمة دمشق، ولا
في محيطها القريب، الجميع اليوم يقع تحت النيران.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث