أركان الديراني – دمشق
تناقضات عجيبة تلك التي تحويها مدينة
“قدسيا” شمال غرب دمشق، فالمدينة التي عاشت أزهى ازدهارها الاقتصادي
والاجتماعي قبل 10 سنوات، باتت اليوم مضرب المثل من خلال حصار جائر تفرضه قوات
النظام، لم يجد له أحد تفسيراً بمن فيهم مؤيدو النظام أنفسهم!
شاركت قدسيا في المظاهرات السلمية بقوة،
وتعرّضت لاقتحامات متعددة كان أعنفها في نهاية صيف 2012 حيث قام النظام بعدها
بتشديد قبضته على المدينة، ومنعت بعض الحواجز الدخول والخروج بطريقة مزاجية في
غالب الأحيان.
وبعد وساطات أجراها وجهاء من المدينة، رُفِع
علم”النظام” فوق مؤسسات عامة في المناطق بالمدينة، ووافق الجيش الحر على
إيقاف الأعمال العسكرية مقابل إدخال مؤن وطعام وتمكين الحالات الصعبة من جرحى
ومرضى من الخروج.
الحصار .. لماذا؟
بيئة قدسيا العمرانية ووقوعها بين عدة
قطعات عسكرية وتجمعات سكانية للشبيحة، جعل من حصارها أمراً في منتهى السهولة لقوات
النظام، إذ يمكن بكلِّ سهولة محاصرة المدينة في أي وقت وقطع الطرقات عنها، وكان من
المفترض أن يلتزم النظام بشكل أو بآخر بالهدنة، إلا أن معلومات استخبارية وصلت
للنظام تفيد بتجمُّع عدد من عناصر، وقادة الثوار قرب مسجد المحمدي، فلم يرغب
النظام بتفويت فرصة كهذه، ولاسيما أن غالبية المجتمعين هم من العناصر المؤثرة في
المدينة.
بعد تلك الضربة فرضت قوات النظام حصاراً
خانقاً من قوات الأسد ومنع الأهالي من الدخول والخروج عبر الحواجز المحيطة بالمدينة
باستثناء بعض الذين يدفعون مبالغ مالية للعناصر قوات الأسد حتى يسمح لهم بالعبور،
هذا ويسمح حاجز طريق جمرايا – دمشق للموظفين والطلاب بالمرور سيراً على الأقدام،
كما مُنعت سيارات الطحين والمواد الغذائية والطبية وحليب الأطفال من الدخول في ظل
وجود أكثر من 400 ألف نسمة داخل المدينة.
حصار قدسيا أدخل مناصري النظام في حرج
شديد، إذ لا يوجد تفسير منطقي يبرر الاستمرار في قطع الطرقات، باستثناء ما يتداوله
الأهالي عن مبالغ طائلة تدخل جيوب الشبيحة يومياً.
وفي بداية شهر نيسان الجاري، توصلت ما
تسمى بـ”لجان المصالحة” إلى اتفاق مبدئي ينصُّ على نشر حواجز في أماكن
معينة داخل قدسيا لحفظ الأمن، وهي حواجز
مكونة من عناصر سابقين في الجيش الحر إضافة إلى شبان من أهالي قدسيا وبعضهم لا
يحمل السلاح.
أثارت تلك الخطوة استياء في أوساط شبيحة
النظام، وطالبت بعض صفحات الفيسبوك بـ “دخول الجيش” وتنفيذ حسم عسكري
و”الدعس” على المسلحين، وخلال
الأيام التالية للاتفاق أوردت صفحات النظام ذاتها العديد من الأخبار التي تحدثت عن
وعود بإعادة فتح الطرق لكن شيئاً لم يحصل، وظل الحصار مفروضاً مع تخفيفه خلال
اليومين الماضيين حيث سمح بإدخال الطحين إلى المخابز كما دخل عدد من سيارات الخضار
إلى المدينة، الأمر الذي تحول إلى “خبر” هام تفرد له وسال الإعلام مساحة
لتغطيته ومناقشته!
ويعلق “أبو عوض” وهو من أهالي
ريف دمشق النازحين إلى قدسيا: لم يعد أمامنا بديل بينما لو تأزمت الأوضاع أكثر مما
هي عليه في قدسيا، لم يعد لنا ثقة بأحد بعد أن باتت قدسيا باحة لتصفية حسابات بعض
الأطراف المستفيدة مالياً مما يجري. فالحصار الحالي يدر على عناصر الحواجز وعلى
الضباط ثروة لن يتخلوا عنها بسهولة!
فتح الطريق جزئياً:
أوضح الناطق باسم تنسيقية مدينة قدسيا
لـ”صدى الشام” أن النظام قد أعاد فتح الطرقات جزئياً مساء الأحد لكن إلى
الآن لا يوجد ضمانات بإعادة إغلاقها دون سابق إنذار في الأيام القادمة، ولا أحد
يعلم إلى الآن ما هي أسباب استمرار قطع الطريق حيث يقول البعض “كونه لم يعد
هناك مبرر لقطع طريق الصفصاف أو فرض الحصار فهذا الإجراء ليس إلا من باب إشعار
الناس أن الرحمة لا يمكن أن ترتجى إلا من سلطة النظام!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث