يارا جرعتلي*
“هربت من حلب لا لشي فقط لأن وابلاً من القنابل من كل حدب وصوب تأتي إلى المنطقة لا تفرّق بين كبير أو صغير مسن أو امرأة لا تميّز بين معارض أو مؤيد”
“تركت زوجي هناك، وجئت إلى لبنان لأضع مولودي لكن زوجي مصر على أن أعود إلى سوريا لألد هناك..لكن هل سأبقى حية إذا عدت! لم أعد أعلم”.
بضع كلمات قالتها فتاه في السابعة عشرة من عمرها من حلب وهي تجلس تنتظر التسجيل في المفوضية الأوربية في لبنان, حامل بأول طفل لها وهي مشتتة بين أمانها وجنينها وبين حنينها الذي يشدها إلى زوجها الموجود في سوريا والذي لم يستطع الخروج بسبب الظروف الأمنية الصعبة.
والدتها تجلس بالقرب منها، وتمعن بابنتها، وتقول جميع العائلة بأمان، ونحن هنا في لبنان منذ سنين لكن القدر شاء أن أزوّج ابنتي الصغرى، وأرسلها إلى سوريا حيث الجحيم.
الجميع أي جميع من كان في المفوضية الأوروبية هم من السوريين ينتظرون في طوابير طويلة بصمت وحذر، وكلٌّ ينتظر دوره بصبر وصمت. لكن في هذا الجو العام الصامت كانت عيونهم تتحدّث …(قهراً وألماً ومعاناة)
أطفالٌ يجلسون دون حراك كرجال طاعنين في السن يحملون كل هموم الدنيا. طفلة صغيرة تركد بين الزحام تلحقها أمها وتناديها ليس باسمها كانت تقول الأم:( لا تركدي بين الناس تعالي، سنعود الى سوريا ) فتهدأ الطفلة وكأن كلام الأم رحمة على مسامع طفلتها التي تأتي بكل طواعية لتستجيب لنداء أمها.
حتى الأطفال توّاقون للعودة أكثر من حاجة الكبار, أرضهم وعالمهم الذي ينهار رويداً رويداً وطنهم الذي يأخذ أرواحاً أكثر مما يعطي دفئاً وأماناً لأبنائه يجعلهم يهربون منه لكن أين المفر من وطن مليء بالموت إلى بلد مليء بالمشاكل والتعقيدات السياسية أكثر من أن تكون ديمقراطية؟
إلى أين وصلنا تقول أم فادي: تركت بيتي وبيت أهلي وزوجي في درعا، ولملمت أطفالي، وجئت بهم إلى لبنان حيث أعيش مع عدة عائلات سورية في منزل بالقرب من الملعب.
بيوتنا وقت حرب لبنان كانت مملوءة بإخواننا اللبنانية، وكنا حريصون على أن ينعموا بكل شيء حتى لقمة العيش كنا نتقاسمها سويّةً، ونحن فرحون بذلك لكن انقلبت الأيام ونحن أصبحنا في بلدهم على أرضهم هنا ينظرون إلينا باستهجان وكأننا كائن غريب عنهم لكن ماذا نقول: لاحول ولا قوة إلا بالله، لنا الله .
أم حسن: ابنتي تعرضت للضرب، أنا لا أسمح لأي كان ضرب أحد أبنائي، لقد هربنا من الضرب في سوريا ليأتينا ضرب من نوع آخر ماكلّ هذا الذل؟.اخرج من الصباح الباكر لأعمل في حقل قريب كي لايضطروا أبنائي للعمل أعمل بالتعشيب والزراعة، لا أسمح حتى لأبي المسن بضربهم، وأحاول تأمين معيشتنا، وآجار خيمتنا، لكني تعبت.. تعبت من كل شيء. تركنا كل أرزاقنا هناك في سوريا، تركت حتى الفرح.
استمر بالعيش لأطعم أطفالي، وأسترهم لكن أطلب من ربي أن يمنحني المزيد من الصبر، يصبرني فقط لأستطيع يوماً ما العودة، وأن أشم رائحة تراب وطني الغالي سوريا.
طفل في إحدى المدارس اللبنانية: المعلمات لطيفات معي الجميع لطفاء لكن أشعر أن الطلاب يكرهونني، لا أحد يحب اللعب معي، في صفي يوجد اثنان من السوريين لكن لا أسألهم إذا هم معارضون أو مؤيدون، لكن هم يرسمون علم بشار، وأنا لا أحب هذا العلم..إنه لا يخصُّنا إذا هو قام بضربنا وقتل أطفال سوريا، وهو جعلنا نترك منازلنا في سوريا لماذا أحبه أو أحب علمه أو،حتى أرسمه؟.
أريد أن يموت بشار–يتابع- لكي لا أرى أبي حزيناً، فأبي مشتاق لعائلته في سوريا، وأمي أيضاً، وأنا مشتاق لبيتي الذي بنيناه هناك، وحارتي وأصدقائي ومحل البقالية وصديقتي لونا. لقد جعلنا بشار الاسد نترك منازلنا، وعائلاتنا في سوريا لا أحب لبنان، أنا لا أحبها هي ليست بلدي، فبلدي سوريا فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث