الرئيسية / Uncategorized / هل سنحصد حرية أم غنائم حرب الحرب ليست وسيلة وفية لسببها3/3

هل سنحصد حرية أم غنائم حرب الحرب ليست وسيلة وفية لسببها3/3

“لا يستطيع الكلب أن يرائي، لكنه لا يستطيع أن يكون صادقاً كذلك” فتغنشتاين
غريب ميرزا
فتغنشتاين، كما أعتقد، ربّما الوحيد الذي استطاع أن يصل إلى عمق الابستمولوجيا، وفلسفة اللغة، سأستخدم أسلوبه في كتابه “تحقيقات فلسفية” لأنه الأسلوب الأكثر مناسبة في الكتابة المُعقّدة.
قصة فاضلة
إحدى المدن الفاضلة أُريد لها أن تكون مدينة خالية من الحرب إلى الأبد، كيف ذلك؟ قام الكاتب بابتكار فكرة عصا سحرية، أسماها عصا الفريل . يمكن أن نقول إنها تشبه قنبلة نووية صغيرة، يمكن لكلِّ شخص أن يملكها. لا يقفُ في وجهها أيُّ شيء، يمكن أن تذيب أي شيء.
 ولأن كل شخص يملكها، لذا لن تقوم حرب في هذه المدينة أبداً. لأن القوة متساوية لدى الجميع. اعتبر الكاتب أن هذه الطريقة ستمنع وقوع الحرب، ولكن الخطأ الذي وقع فيه، أن التطوُّر في هذه الأداة الهجومية سيرافقه تطور في أدوات العزل. وبالتالي لن يتغير شيء. إذاً أين المفر؟
الحرب ظاهرة إنسانية تتعقّد مثل أيِّة ظاهرة
ق1: لنسأل سؤالاً خيالياً: أيُّهما كان في البداية لفظة “شجرة” أم “الشجرة نفسها في الغابة”؟
وأيّهما كان في البداية لفظة “معول” أم الخشبة المعقوفة التي ستحرث الأرض؟ وعلى السياق ذاته، أيهما كان في البدء لفظة “حرية” أم (….) ؟ حسناً أم ماذا؟
أيُّهما أكبر؟ الكرامة أم الحق؟ العدالة أم عزة الذات؟ هذا هو السياق الخطابي الذي علينا أن نبحث فيه عن ماهية الحرب باعتبارها كائناً خطابياً.
ق2: نستطيع بسهولة أن نرسم، ونتصوّر، ونضع ضمن سلسلة سببية أياً من المفاهيم التالية: شجرة، مِعول، طاولة … ونستطيع أن نضع فيما بينها حدوداً من نوع أكبر، أصغر، شكل، سطح … ولكن هل نستطيع أن نقوم بالشيء نفسه في حال تكلّمنا عن المفاهيم التالية: حرية ،كرامة، عدالة، حضارة، ثورة، إسلام….
ق3: الجواب طبعاً لا، لكن إذا اعترض أحدُهم قائلاً: من غير المطلوب أن نضع مثل هذه الحدود، لماذا نضعها إذاً؟ سنجيب أن الحرب بماهيتها قائمة على هذه التحديدات والفواصل (مقالة 1/3). فنحن نجد في الحروب القديمة إزالة آلهة وتكريس آلهة ودمج آلهة، وهي عبارة عن هذه المجردات.
ق4: ” (أنا) لا تدل على أي شخص، (هنا) لا تدل على أي مكان” فتغنشتاين
المعمار الإسلامي امتاز بقضية هامة في معماره: النوافذ البلورية الملونة. عندما يضربها الضوء الشمسي عديم اللون والشكل، يسقط على الأرضية مشكلّاً أشكالاً وألواناً متعددة.
المفاهيم المجردة التي تناولناها، تشبه البقع الملونة على الأرضية، جميعها تؤشر إلى مصدر واحد، لا شكل ولا لون له. تؤشّر إلى مصدر مجرّد لا لفظ  ولا مفهوم، ولا حدود له.
ق5: ما نحتاج إليه هو تعيينات لهذه المفاهيم المجرّدة. يستخدم التعيين كما يستعمل المنشار عادة (مفهوم الاستعمال لفتغنشتاين) كلُّ تعيين هو أداة، نحن ننتظر تطوير هذه الأدوات دائماً.
 البقع الضوئية الملونة لا يكفي أن تظل كما هي، يجب أن نمنحها حركة مجسدة مثل حركة الدمى، حركة خاصة بها، حركة ذاتية.
ق6: لكن هذا ما كنا نفعله منذ زمن طويل، الحرب هي إحدى هذه التعيينات. صناديق الاقتراع، القوانين المكتوبة، والدساتير ومفاهيم العقد التي تطورت منذ هوبز، كلها أشكال لهذه التعيينات. حرية التعبير، القضاء، وسائل الاتصال الاجتماعي والجماهيري، حقوق الإنسان المعاهدات الدولية، كلها أشكال تعيينية.
ق7: لا يمكن أن نفهم ظاهرة الحرب بمفردها. إن فعلنا ذلك، نصبح كمن يحاول أن يفهم اللون البرتقالي المرتسم على الأرضية بمعزل عن الزجاج الملون، وضوء الشمس، وباقي الألوان.
ق8: ولكن من جديد تظل هذه التعيينات تصطدم بالمفاهيم المجردة الضبابية، وتبدأ الفوارق والفواصل. مثلاً: اليوم من أهم المشاكل الليبرالية، أنها مفهوم قائم على الحرية الفردية، ولكن إذا كان هناك مجموعة ثقافية من عاداتها، وبالتالي من حقّها أن تقطع أذن فرد عشوائياً منها، وهو سيكون سعيداً إذا وقع الاختيار عليه، مثلاً. هل يمكن أن نعتبر هذا الإجراء قانونياً؟ طبعاً لا، سيقول الليبرالي أن هناك قواعدَ أساسيةً، يجب أن نحترمها، لكن هذه القواعد الأساسية ليست إلا هذه التعيينات الحدودية الضبابية. من قال إنها هي الأفضل؟ هذا سؤال لا جواب عليه.
ق9: تخيّل أن الخيمياء القديمة استطاعت أن تحوّل الحجر إلى ذهب، وأن كائناً فضائياً خارق القدرات، يقف في السماء، وينظّم حياتنا بعدل كما يراه. كيف سنعرف أن ما يحكم به هذا الكائن هو “عدل”؟ سنقول إنه يحكم بمفهوم فضائي، بمجرد أن يهبط هذا المفهوم إلى الأرض، سيصبح جزءاً من هذا الضباب المفهومي، وإذا بقي في الأعلى لن يكون مفهوما،ً وكأنه غير موجود! في كلتا هاتين الحالتين، نحن نكرر الماضي الإنساني التخيلي والواقعي، لن نجد حلاً. اختراع الذهب وقتها يشبه اختراع صناديق الاقتراع الآن.
ق10: حركة الوعي البشري تشبه هذا المثال: نحن نعلم فيزيائياً أن المشي هو عبارة عن سقطات متوالية، والركض عبارة عن قفزات متوالية.
لنتخيل أن شخصاً يهبط منحدراً شديداً بسرعة، إنه يركض بسرعة تتزايد، عليه أن يستمر في الركض المتسارع، إنه يخشى من السقوط رغم أنه لم يجربه، وأثناء ركضه المتسارع يرغب بمعرفة “الوقوف” والسكون في حركة تساوي الصفر، لكنه لا يستطيع، أو لم يستطع إلى الآن. هذه هي حالة الوعي البشري، ثلاثة متغيرات عامة: (تسارع، سقوط، وقوف) كما في المثال، أو سأكتبها بالشكل التالي الرمزي: (الآن سـ ، كيف عـ ، متى صـ )

ق11: المشاكل العلمية والفلسفية التي لم نجد حلولاً إلى الآن، البحث
 عن النظرية النهائية، تلك الحالة التي يمكن أن نستعيرَها من التطوُّر البيولوجي، ونسميّها سباق الملكة الحمراء، كلا طورنا منتجاً ما، جلب معه مشاكل جديدة إضافة للحلول للمشاكل القديمة. كل هذه الأبعاد تدرس مع الحرب في ق10.
ق12: المفاهيم المجرّدة هي ما يشكّل مادة الفهم لدينا، وإلا لما كنا سنعلم ماذا يعني ألم إلا عندما نتألم فقط، ولا نعلم ما هو الحب، إلا عندما نعشق فرداً فرداً. ومع ذلك هي ضد الفهم.
في الظلام الدامس لا يمكننا أن نرى شيئاً، وكذلك في الضياء الأقصى. تخيّل نفسك داخل حجرة مغلقة من الرصاص، أو داخل مصباح زجاجي. في الحالتين المختلفتين جداً أنت لا ترى. ما يحدث في ما يمكن أن نسميه الواقع، إننا نتأرجح بين الحالتين، فتتم الرؤية. إذاً: الرؤية (الرمز) هي حالة لا يمكنها أن تقف في أيّ من مصدريها (عتم، ضوء) وهكذا الفهم.
ق13: الخيارات أو الحرية أمام أيّ كائن ليست ملكاً له، تخيّل عندما يهجم أسد على غزال، الغزال إما سيؤكل، أو يهرب، وفي الحالتين الأسد عدو. من المفترض منطقياً أن الغزال من حقه أن يحتفظ في أي وقت يشاء، بخياراته كلها. كأن يبقى يرعى العشب، أو يتمشى عند حافة جدول، أو أن ينظر إلى الأسد بمتعة!
عندما يهجم عليك لص، تفتقد كل خيار حر. وكذلك عندما تمرض ويتحكم بحياتك طبيب، أو عندما تجلس أمام عالم ما، وتبدو ضعيفاً أمامه، أو …….
هكذا تتحرك خياراتنا الحرة مع هذا الكم اللانهائي من التقاطعات البشرية والطبيعية.
ق14: تبدو الخيارات الحرة مجرّد حلم لم نعشه أبداً. هذه التقاطعات الظرفية ستأخذ مفاهيم عديدة: القدر الغيبي، العناية الإلهية، المصادفة، العدالة، الشواش….  إذا قال أحدهم إن هذه المفاهيم متنافرة،  فهذا يشبه أن يقول أحدهم إن العدالة أكبر من المصادفة مثلاً. ولكن دائماً يحدث هذا الشيء:
العدالة أكبر من الكرامة
الحب أطول من الشرف
الحق هو سبب الخير: هذه الجمل الثلاث تبدو غير ذات معنى، ولكنها تماماً مثل القضايا التالية:
الشر هو ضد الجهل  (لأن الجاهل لا يعرف ماذا يصنع بالضرورة)
الخير ضد الجهل
المعرفة سبب الخير
المعرفة سبب الشر
إذا كانت المعرفة سبب الخير والشر، وهي عكس الجهل، والخير عكس الشر، والمعرفة عكس الجهل، الجهل يبدو أنه مرتبط بالخير دوماً، إذاً يبدو كأننا نستنتج أن المعرفة + الجهل = خير
يبدو أننا نتكلم عن لا شيء (ولكن بمعنى)، وهذه العبارات تشبه قضايا نبنيها بالضرورة عندما نكون أمام أمر لتخيل دائرة مربعة.
نحاول أن نخرج من هذه المعضلة باستمرار، مثلاً:
الخير = معرفة من غير جهل، إذاً الجهل لا علاقة له بالخير أو الشر .
أو :
معرفة خير
جهل  شر
المعرفة ليست ضد الجهل، يمكننا أن نضيف علاقة جديدة مثلاً نقول: المعرفة أكبر من الجهل: معرفة  جهل الجاهل يستطيع أن يجرح إنساناً والعارف يستطيع أن يداوي، وأن يبني سجناً، ويضع فيه الجاهل كي لا يؤذي مرة أخرى ، ولكن إن كان الأمر هكذا، لما كان هناك شر في الأصل؛ من يؤذي هو الأكثر معرفة.
أو:
جهل لا علاقة له بالشر أو الخير، كما أن جاري لا علاقة له بأحداث 1968 في فرنسا (جاري في سوريا وعمره سنتان ونصف) لنكتب كالتالي باستخدام الرموز: جهل ®خير +شر أي الجهل لا علاقة له بالخير أو الشر، ولنقل إن الجهل لا علاقة له بالمعرفة أيضاً: جهل ® معرفة. حسناً، إذاً كيف سنعرف إنه جهل؟ كيف سنعرف إن كان ما نراه هو خير أو شر؟ إذا أردنا أن نكتب ® على جميع المفاهيم الأخرى المجردة، أن تكون ضمن هذا الـ ® وهذا طبعاً مستحيل.
فتغنشتاين تناول ما قلناه بطريقة مختلفة، ولكن تصبُّ في الغاية ذاتها، حيث اعتمد على ما يسمى مفارقة الكومة (كم حبة رمل لازمة حتى يصبح لدينا كومة؟ ألف؟ ثلاثة؟ اثنان؟ واحدة؟) هذه المفارقة تقول إننا لا نستطيع أن نضع حدوداً بين المفاهيم، هذه المفارقة قادت باتجاه المنطق المرن، وهي سترجعنا إلى الثلاثية السابقة (سـ، عـ، صـ )
ق15: ” لا علاقة ” “®” بين المفاهيم المجردة، لكن كي تصبح ممكنة منطقياً للفهم والاستعمال، يجب أن يكون بينها وحدة كاملة لها  المفهوم نفسه، إنها مثل الضباب. بين هذين الحدين (لا علاقة، وحدة واحدة) توجد المفاهيم أو التصوُّرات في ما نسميه الواقع. (عد إلى مثال العتم والضوء)
في كل مرة توجد فيها، فإنها تكون بهاتين الطرفين، بهذين الحدين. لذا الحرب أمر طبيعي، لأنه إذا كانت الحرب ضد الاتفاق، فنحن لا نستطيع أن نتفق، لأننا لا نستطيع أن نحدد حدود الضباب، كما نحدد السياج على الأرض.
ق 16: ستصبح الصورة أوضح عندما نذكر مثال من يركض في منحدر، كل مفهوم له نحوه الخاص (اشتقاقاً من فتغنشتاين) فنحن نضع تعريفاً للخير، ولكن كل تعريف للخير، كي يبقى عليه أن يغتال الذاكرة الخاصة به. يحاول أن يحيل إلى المحور سـ فقط، قدر الإمكان، يحاول أن يخفف من المحاور الأخرى صـ، عـ لكنه لا يستطيع. هذا ما نجده في الكلام عن نهاية التاريخ، أو النظرية النهائية.
ق17: الحرب أو أية مؤسسة اجتماعية أو نشاط بشري، هو الاختزالات المتبادلة بين المحاور (سـ،عـ،صـ) . أو محاولات الاختزال المتبادلة.
ق18: ما هي الأشياء التي تكرهها أنت؟ الحرب ، المرض، الفقر، الكوارث، الموت المبكر…
ما هي الأشياء التي تحبها؟ السلام، الصحة، الوفرة المادية، الحياة الطويلة….
إنها معايير بشرية وعبر التاريخ. هذه المعايير هي ما تمنح المفاهيم المجردة سبب وجودها العميق، قدرتنا على وضع معيار، هو ما يظهر بشكل المحاور الثلاثة، أو ذاك النوسان، بين الحدين (عتم، ضوء) هو ما يبرر أننا مثلنا رجلاً يركض بتسارع عن الوعي البشري.
ق19: إذاً المعيار هو ما يمنح المحاور الثلاثة إمكانية وجودها، أما وجودها وحياتها وفاعليتها، تبدأ عندما نسأل الأسئلة التالية:
لماذا هذا المعيار بالضبط؟ لماذا نحب السلام أكثر من الحب؟
لماذا نضطر للحرب إذاً؟
لماذا نضع معياراً أصلاً؟
كيف نطبق هذه المعايير؟
لماذا لا يمكن أن نستغني عن المعايير؟
قال فيتغنشتاين إن السبب هو ما يبدو جيداً، أما المعيار فلا يمكن لنا أن نبرره.
ق20: إن اللحظة لا تتسع لأكثر من لحظة، والفعل لا يتسع لأكثر من الفعل ذاته. هل هذه بدهية؟ لا يهمُّ، ما يهم هو استخدامها. عندما تأتي فكرة أ ، فهناك فقط الفكرة أ بينما تأتي أخرى، هذه قضية هامة جداً يمكننا استنتاجها من فتغنشتاين.
في لحظة الحرب لا يوجد تفكير، وبالعكس. عندما تقول أنا أحارب الآن، هذا شيء مختلف عن قيامك بالحرب. (هذه الأمثلة كررها كثيراً فتغنشتاين)
ما نستطيع أن نفعله لا أن نلغي الحرب، بل أن نزيد مساحة التنمية، حتى ننشغل عن الحرب. هذا أقصى ما نستطيع عمله حتى الآن، احتلال الفراغ بالتنمية.
ق21: المشكلة الأساسية أن الفراغ هو صاحب البنية الأشد تعقيداً (أو البنية المطلقة = لا بنية) ونحن لا نستطيع أن نعمل إلا وفق بنية. (المعيار الذي تكلمنا عنه هو استدعاء مباشر للبنية وتماثل قاعدة اللعبة عند فتغنشتاين)
كيف ندخل بنية إلى بنية مطلقة ؟ يشبه أن ندخل مظلة أو شمعة إلى قلب الضياء، مثل الشمس مثلاً، كي نرى.
لذا نلجأ إلى حلٍّ وحيد، هو الاستناد إلى البنى الموجودة، وهي كما قلنا بنى يدخل في تركيبها الحرب نفسها، لذا نعمد دائماً إلى إرجاء ما ضمن المحور سـ (محور الآن)
 إذا استطعنا بنينة الفراغ ستنتهي الحرب إلى الأبد، ولكن ذلك يشبه رسم دائرة مربعة، ومع ذلك أعتقد أنه احتمال قائم.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *