الرئيسية / رأي / كل عقل نبي

كل عقل نبي

ثائر الزعزوع
قبل سنوات كنت أكتب زاوية أسبوعية في إحدى الصحف العربية عنوانُها كلُّ عقل نبي، والعنوان مأخوذ من بيت شعر للشاعر أبي العلاء المعري: أيُّها الغرُّ قد حبيتَ بعقلٍ  فاتّبعه فكلُّ عقلٍ نبي، وقتها وصلني بريد إلكتروني من أحدهم يطلب مني فيه تغيير عنوان زاويتي الأسبوعية لأن فيها كفراً وتجديفاً، وممّا أذكره من الرسالة، التي لم أحتفظ بها وللأسف، أن سيدنا محمد هو خاتم النبيين، وأن لا نبي سواه.
وقتها لم أمتثل لطلبه، ولا لرسالته اللاحقة التي حملت مفردات التهديد، بمعنى أننا نستطيع الوصول إليك إذا شئنا، ولم أغير عنوان زاويتي، ولم يصلوا إلي، والحمد لله، في ذلك الحين كنت منشغلاً بالشأن العراقي، وكان الوضع العراقي إبان الحرب الأميركية والصراعات الطائفية فيه مخيفاً وخطيراً، ولكنه يظل أقل وطأةً وخطورةً من وضعنا السوري الحالي.
 صحيح أن التحذيرات التي نسمعها الآن من خطر التقسيم وخطر الاقتتال الطائفي، والحرب الأهلية هي نفسها التي كانت سائدة، وما زالت في العراق، إلا أن الواقع السوري يبدو أكثر تعقيداً، فالعراق كان قلقاً في أرض شبه مستقرة، أمّا سوريا الآن فإنها قلقة في أرض في غاية القلق والاضطراب، وكل ما حولنا ينذر بانفجار وشيك، ولا يمكن لمتنبئ أياً تكن حنكته السياسية أن يضع تصوُّراً لمستقبل المنطقة لا لسوريا فقط، بعد أشهر لا لما بعد سنوات، فالمنطقة على صفيح ساخن، وما ظواهر الاستقرار التي نراها سوى هدوء رخيص بانتظار عاصفة وشيكة، فالأوضاع الاقتصادية آخذة بالتراجع، وقد فقد المواطن العربي قيمته، وتحوَّل إلى مادة استهلاكية رخيصة تسوقه القنوات التلفزيونية كما تسوق نوعاً جديداً من أنواع العلكة أو فوط الأطفال، ونحن منقسمون بين آراب آيدول وآراب جت تالنت وذا فويس، بينما تبلغ نسبة الأمية في سوادنا الأعظم حدوداً يفوق تصورها، وتستشري الأمراض في مدننا الرئيسة، وسأستثني الخليج الذي يعيش على كل حال في عالم آخر غير عالمنا، وهو على العموم ليس سوقاً كبرى لبيع قهرنا وحزننا، بل لبيع ما تبقّى من ألقنا.
ولعل الإعلام الذي هو مرآة المجتمع، والذي يعكس بطبيعة الحال صورة مجتمعات غير مجتمعاتنا، وصورة واقع غير واقعنا، هو أكثر الاصطلاحات ابتعاداً عن تفاصيل حياتنا، ولعل المتابع ليوم واحد من بثٍّ متواصل لقناة تلفزيونية عربية، سيكتشف أنه يعيش في عالم غير العالم الذي تبث منه تلك القناة دون أدنى شك، ولن أتحدث هنا عن إعلام النظام السوري وحده، فالضرب في الميّت حرام، ولكن دعونا نبحثْ عن إعلام ما بعد الثورة في تونس في مصر في اليمن، في ليبيا، أين هو المواطن العربي المسحوق من هذا الإعلام الذي تحوّل إلى سوق جملة لبيع الأفكار والآراء والمواقف، ولتصنيع مهرّجين جاهزين حسب الطلب للنباح والعواء والمواء والنهيق والنعيق، ولأيِّ دور يطلب منه المسوق أن يلعبوه، سوى أن يلعبوا الدور الآدمي المطلوب منهم، وأن ينحازوا ولو بنسبة خمسة بالمئة للشعب، ولكن أي شعب؟
أحد الإعلاميين المصريين أطلق وبشراسة مجموعة من الاتهامات للشعب المصري بالجهل والكسل واللا معرفة، ونصح الرئيس القادم لمصر بأن يستغني عن كل موظفي الدولة المصرية لأنهم لا يجيدون عمل شيء. وآخر وقف مشيراً بيديه للجماهير ليقول لهم وبكل بساطة: سأقول لكم ما الذي يجب أن تفعلوه.
إعلامي على إحدى القنوات الليبية التي تتبع أحد التيارات السياسية المهيمنة على الساحة قال وبكل سهولة: كل من يعارض المؤتمر الوطني هو من أزلام القذافي.
لتعود الحكاية السابقة، من ليس معنا فهو ضدنا، وكأنه معلمه جورج بوش الابن ما زال حاكماً، فقد قالها بشار مرة وألغى كل من يقف في المنتصف، لأن الوطنية أن تقف مع النظام، والخيانة ألا تقف مع النظام. تماماً كما حدث في العراق، من لا يؤيد سياسة رئيس الوزراء المالكي فهو صدّامي، وينبغي اجتثاثه، وفيما بعد سيصير اسمه قاعدياً، نسبة إلى تنظيم القاعدة، وسيصدر المالكي قانوناً يخوله القضاء على كل من لا يتفق معه، إن كان فناناً أو صحفياً، أو شاعراً، أو أي شيء، فإما أن تكون معنا أو تكون ضدنا.
والحقيقة أن الشعب في معظمه لا يريد أن يكون لا مع ولا ضد، لأن هاتين المفردتين لا تعنيانه كثيراً، ولا تطعم أطفاله خبزاً، ولا تجعلهم يذهبون إلى مدراس تناسب آدميتهم، الشعب لا يريد أن يتحوّل إلى سلعة يتاجر بها السياسيون والإعلاميون والشعراء والرسّامون.
 الشعب يريد أن يحيا حياة كريمة، لهذا هو قال: أنا إنسان وماني حيوان، وهالعالم كلها مثلي، نعم هو يعرف أن العالم كله مثله، وكان يقصده عالمه الضيق الذي يبدأ من حدود قريته، وينتهي عند حدودها، فلا تحوّلوه إلى سلعة، وإن كان لا بد أن يكون ذلك كي تبيعوا بضائعكم، فارفعوا ثمنه قليلاً، لا تجعلوه رخيصاً، لا تحولوه إلى حائر بين داعش تصلبه أو نظام يقضي عليه في المعتقل، ولا تدفعوه لليأس أكثر، فالثورة لم تنته في هذه الأرض المشتعلة، في بقاعها ثمة نار تحت الرماد، ثمة نار قادرة على الاشتعال من جديد، وعلى إحراق الأخضر واليابس..
نعم، نبحث عن عقل نبي يقود ولا يُقاد، يسير ولا يسيّر. فلماذا لا يكون العقل نبياً؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *