إذا
نظرنا إلى قارة آسيا، وجدنا نصفها الشمالي الذي تقبع به سيبيريا المتجمدة رمادياً،
لا لأنه دائم التجمد، أو لأنه غير داخل في الحسبة العالمية، بل لأن الدولة التي
يقبع في شرقها هي روسيا، روسيا ما وراء جبال الأورال، وريثة الكنيسة الأرثودوكسية
والتاج القيصري البيزنطي، تلك الدولة هي الأكبر مساحة على وجه البسيطة، أوربية
الهوى، والضامّة لعرقيات شتى، وعلى حدود العالم الغربي المتحضر.
وقد كانت الطامسة لأسماء دول كثيرة تحت مسمى
الاتحاد السوڤييتي المتخذ موسكو عاصمة له، وما زالت تبتغي الطمس، غير أنه يتطلب
تبديل الطرائق.
بما
أن سرد أسماء دول نزلت في خانة عملاق واحد يسبب الملل، فليس مِن نافلة القول أن
ننتقي مِنها؛ لاتڤيا، إستونيا، أذربيجان، كازاخستان، وأوكرانيا، هذه الأرض التي
غدت اليوم في عناوين نشرات الأخبار الرئيسية… ومبتغى نقاشنا في هذا المقال.
لماذا
أوكرانيا؟ ولماذا الآن؟ وقبل كل ذلك؛ ما هي هذه الرقعة؟
دولة
تقع في وسط شرق أوروبا، كانت من الكيانات الأهم في الاتحاد السوڤييتي بحكم
جغرافيتها، وتركّزت فيها قواعد عسكرية ومنشآت نووية عظمى، وكانت مخبأ وقاعدة
أساسية للصواريخ الشيوعية النووية التي يُحتمل أنها ستستخدم للرد على الولايات
المتحدة في حرب النجوم التي تملك البشرية هاجسَ وقوعها، إذ بعد الحرب العالمية
الثانية، وسقوط عشرات الملايين من الروس – (٢٨) مليوناً بالتحديد – تقاسم
العملاقان الأميركي والسوڤييتي أوروبا المدمّرة، والتابع الأوكراني يسير حيث تسير
موسكو.
مع
مرور السنوات، حفظت الذاكرة السياسية القصيرة أعظم دلائل ترنُّح العملاق السوڤييتي
في فترة الثمانينيات، واقتراب أجله وعجزه عن تأمين سلاح الدمار الشامل، كارثة تشيرنوبيل
الأوكرانية.
مع
أن مسمار خروتشوف زعيم المجلس الاتحادي “السوڤييت”، دُقَّ بضم شبه جزيرة
القرم الاستراتيجية المطلة على البحر الأسود إلى هذا الكيان السلاڤي، لتُعلق عليه
لوحة رُسم عليها المجد الروسي الذي جعلها الأعلى شأناً في القارة العجوز، غير أن
رياح التغيير كما سمتها فرقة سكوربيونز أتت عكس ما يشتهي ربّان البيرسترويكا ميخائيل
غورباتشوڤ، وتدفق التيار الغربي شرقاً، وسرت في جنبات كييڤ فوضى الحرية والانعتاق
الأعمى، حيث يكون الخلاص بحرق كل أوراق الماضي المتعفنة رطوبة.
سقطت
الشيوعية في كييڤ، وعاشت هذه الجمهورية تخبُّطاً دام مدة تقترب من العقد، ولكن
الشعب بقي ناظراً إلى الاتحاد الأوروبي الذي تتزعمه ألمانيا، لعله يتنعم عليه بضمه
له، وبعدما ترأس كل من ليونيد كرافتشوك، وليونيد كوتشما حصان طروادة موسكو الذي
حكم ثماني سنين… هبت في وجهه تارة أخرى رياح الهوى الغربي المتشكل على هيئة
يوشينكو زعيم الثورة البرتقالية.
يمرُّ
عبر أوكرانيا خمسة وثمانون بالمئة من الغاز الروسي المصدَّر إلى غرب أوروبا،
والجيش الأوكراني هو الثاني في أوربا في الجبروت العسكري بعد الجيش الروسي،
فالأخير هو الذي سلَّحه ووضع نظمه على مدى عقود، ولا يمكن له – وإن أعطاه حكماً
ذاتياً لردح من الزمان – أن يتركه مستقلاً، ناهيك عن تحوُّله إلى ساحة للتوسع
الألماني الاقتصادي بعد أن عجز عن التوسُّع عسكرياً في الحرب الكونية الثانية.
تريد
روسيا لأوكرانيا أن تكون ممراً لتحقيق مصلحتها في أوروبا، وإثبات سطوتها عليها
وقدرتها على التلاعب باقتصادها وحتى دفء شتائها… روسيا هي اليوم الأغنى بالموارد
الأحفورية في العالم، بعد أن استنفدت أوروبا مقدرات العالم، وعجزت عن الإجهاز على
ما تبقى من ثرواته بسبب تضخم تعداد سكان دوله “الهمجية” ممّا جعله
تلقائياً ورقة في غير مصلحتها… أوروبا اليوم باتت تستجدي الرزق مِن دول العالم
الثالث “الخليجية خصوصاً”، الولايات المتحدة تكاد لا تعبأ بما وراء
الأطلسي بعد الأزمة المالية التي جعلت حكومتها على مدى خمس ميزانيات تقف على شفير
الإفلاس، الصين والهند تنموان بمعدلات هائلة… بعبارة أخرى؛ هنالك خارطة جديدة
للعالم تتشكل الآن، والأضعف على الدوام هو أول الضحايا.
حظُّ
أوكرانيا مِن هذا الصراع بين الغرب الرأسمالي المتحضّر والشرق الروسي الصيني
النامي، هو حظ جسر في ساحة معركة، إمّا أن تعبر خلاله جحافل المهاجمين ومؤوناتهم
للضفة الأخرى، أو أن يُنسف مِن دعائمه فلا يستفيد منه أحدٌ.
تنشد
أوروبا ليَّ ذراع روسيا بدعاوى الحرية والديمقراطية بين أبناء الشعب الأوكراني
الذي عانى تحت وطأة الشيوعية واستبدادها وانغلاقها دهوراً، والذي سئم العسكر الذي
لم يعهد غير أوامر حاكم بأمر موسكو، وتريد أيضاً أن تجعل ذلك الغاز الروسي في خطر،
لتتمكن مِن وصل ممرٍّ آخرَ أكثر أمناً يأتيها مِن قطر عبر السعودية وسوريا، ولكن
لاعب الشطرنج الروسي لم يفكر مليَّاً قبل أن يرمي بيدق بشار ليجول، ويفسد على
الغرب تحكمه بمصير الشرق الأدنى… الأقوى هو الذي يملي على الآخر مراده، واليوم،
روسيا هي الأقوى، والغرب يلعب بِعدّاد الوقت ليستجمع ما تبقى له مِن قوى كي يواجه
ذلك الدُّبَّ الضخم.
ليس
هنالك في السياسة الدولية حلف ولا عِداء مكتمل، تغلب النسبيات في كون معقّد تتشعب
مصالح القائمين عليه بطرائق معقدة تبلغ حدَّ التناقض في أعين الكثير مِن الناظرين،
غير أن مفاهيم بسط السيطرة وديمومة استغلال الموارد والتأمين عليها وتحقيق الرفاه
للشعب كي يرضى عن مسيرة الحاكم ويدعه يفعل ما يشاء، هي الضرورة، وهي التي تكشف ما
يدأب المتحكمون على طمسه، وتأتي الديبلوماسية والقرار العسكري ليحققا مرادهم.
لا
أحد يعلم إلى أين سيسير الصراع، فالروس يحشدون، والغربيون يحشدون….. والخاسرون
هم الأمم المتموضعة حيث تكون البؤر، فالعراق بؤرة، وأفغانستان بؤرة، وقبلها فلسطين
بؤرة، وسوريا دائماً بؤرة، وأوكرانيا بؤرة، متراس الغرب الأوربي الذي يصد ضربات
الروس وغاراتهم، ومتراس الروس ليتوغلوا فيما هم يركِّعون الإمبراطوريات
الاستعمارية السابقة… إنها الحرب، كما إبليس، يأتي بألف لبوس ولبوس، ولأن كلا
المجتمعين الغربي والروسي غير مستعد “الآن على الأقل” للزج بأبنائه في
أتون صراع، غير أنهم لا يكترثون بشعوب دول كسوريا وأوكرانيا مهما جرى لها.
وهكذا،
فإنه يحلو للكثير أن يرى الذي يمرُّ من غرب أوكرانيا إلى شرقها يصير روسياً، والذي
يمر من شرقها إلى غربها يصير غربياً، وكذا يكون البرزخ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث