رانيا مصطفى
أثار مقترحٌ قدّمه المعارض كمال اللبواني جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية والسياسية السورية؛ يقضي المقترح بطلب المساعدة من إسرائيل لإسقاط النظام عبر فرض حظر جوي من جهة درعا، مقابل التخلّي الكامل لها عن الأراضي السورية المحتلة في الجولان، وعن كامل القضية الفلسطينية، وفتح علاقات تطبيع معها على غرار الأردن ومصر وبقية دول المنطقة…
النظام اعتاش فترة طويلة على وضع نفسه، وأمام الشعب، في موقع الممانع؛ فحين أرادت أميركا/ بوش احتلال سوريا بعد العراق لفرض نظام “اعتدال” عليها، أو إجبار نظام بشار الأسد على ذلك، لم يرضخ لها النظام، فهو يعلم حساسية المسألة الوطنية والموقف من إسرائيل لدى الشعب، الذي تربّى أصلاً على فكرة المقاومة وتأييدها. ولكن في الوقت نفسه لم يتجرأ هذا النظام على الخوض في معارك مقاومة منذ السبعينيات، ولم يرد على كلِّ الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية؛ فهو همُّه الأول هو كيف يحافظ على حكمه؟ الأمر الذي جعله يحسب حساباً للرأي العام الشعبي الرافض للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، ولأميركا وإسرائيل والغرب، الذين يريدون بقاء الحدود الإسرائيلية مع سوريا آمنة؛ لذلك ساهم في تدمير المقاومة الشعبية في لبنان/ تل الزعتر، واكتفى بدعم سياسي لمقاومات فئوية وطائفية في لبنان وغزة.
أمّا المعارضة التي تطرح التطبيع مع إسرائيل، فقد اختارت منذ البداية، وقبل اندلاع الثورة، أن تعارضَ النظام من الحضن الأميركي، أي أرادت إسقاطه عبر احتلال يطابق احتلال العراق، وينصبها في الحكم.
وبعد اندلاع الثورة استمرت بمطالبتها تلك، مستغلة التضحيات التي يقدّمها الشعب في مواجهة النظام للمطالبة باستنساخ الحالة الليبية؛ أي الوصول إلى الحكم عبر تدخُّل خارجي يقدّم حظراً جوياً، وبالتأكيد تلك المعارضة كانت مستعدة لتقديم كل التنازلات، والتي ستفوق تنازلات النظام عن السيادة الوطنية، وبحجة حماية الشعب السوري والحفاظ على دمائه.
لم تتمكن الثورة من صياغة مشروعها الثوري، وتحديد أهدافها بدقة، واقتصرت على شعار إسقاط النظام؛ بسبب حالة الفقر السياسي التي عانى منها الشعب طيلة عقود، وبسبب العنف اللامعقول، وسوء الأوضاع الإنسانية، وحالة التفكك الاجتماعي التي يعانيها نتيجة التهجير والتشرد والاعتقال، ثم انشغاله بمواجهة الأصولية الجهادية التي تغلغلت في كتائب الثورة… المسألة الوطنية والموقف من الغرب وإسرائيل هي جزء أساسي من المشروع الثوري، لكنه لم يلق الاهتمام الكافي مثله مثل بقية مسائل الثورة؛ هذا ما جعل المسألة الوطنية عرضة للمساومات، ووسيلة لبعض أطياف المعارضة لتقديم التنازلات وحسن النوايا للغرب الإمبريالي.
هذه المعارضة لم تنخرط في الثورة؛ فهي لم تحسن قراءتها، ولم تبحث في مشكلاتها، ولم تفهم طبيعة النظام، الذي اعتاش كل هذه المدة على مشكلات الثورة، وتمكّن من اختراقها في أكثر من مكان. لذلك، هذه المعارضة عاجزة عن قيادة الثورة أو تمثيلها ولا تملك غير الاستجداء وتقديم التنازلات لإرضاء الغرب، وطلب تدخله. وهي تجاهر بطلب تدخُّل عسكري إمبريالي مباشر، لإسقاط النظام؛ وهي بذلك تعلن بشكل غير مباشر عن استعدادها للاعتراف بإسرائيل، رغم أن معظم تلك المعارضات لم يصرح به، مراعاة للحساسية الشعبية من مسألة العلاقة مع إسرائيل؛ البعض القليل من تلك المعارضة، خاصة أولئك الذين يعملون في أحزاب سياسية أميركية، أو في شركات أميركية مافياوية كبرى، جاهر أيضاً بضرورة السلام مع إسرائيل منذ البداية.
بعد فشل مؤتمر جنيف في فرض تغيير على الوضع السوري، بلغ العجز مداه الأقصى لدى المعارضة، هذا ما جعل البعض يفتش عن استجداءات جديدة، ومنها ما بلغ حد الوقاحة، باستجداء إسرائيل للمساندة.
النظام قام بجرائم تفوق الوصف، وتسبّب في قتل مئات الآلاف، وتسبب بمعاناة إنسانية كبيرة يعيشها الشعب السوري، ولكن ذلك لا يبرر مقارنته بالعدو الإسرائيلي، الذي ارتكب مجازر أيضاً بحق الفلسطينيين، واستباح الأراضي السورية؛ ففي هذه المقارنة تبرير لسياسة التطبيع المطروحة من دول العالم، ومن المعارضة السورية “ربيبتها”. النظام الشمولي يمثل فئة مافياوية عائلية مستفيدة من الحكم عبر نهب الشعب وتفقيره وقمعه، لذلك هو يقتل مئات الآلاف ويدمّر نصف البلاد من أجل ردع الثورة الشعبية التي قامت ضده. وإسرائيل دولة عنصرية، وتحتلُّ أراضينا، وهي لن تكون رحيمة، ولن تتوانَى عن فعل ما يقوم به النظام وأكثر!، فيما لو قامت ضدها ثورة شعبية عربية عارمة.
من هنا نجد كم أن الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، والانقسامات الطائفية في لبنان، وانشغال العرب بمشكلاتهم الداخلية، وبأنظمتهم القمعية يخدم إسرائيل.
المسألة الوطنية جزءٌ أساسيٌّ من مطالب الثورة السورية، وتحديدها كذلك أمر ضروري لانتصار الثورة، ولمنع الانتهازيين من الاستمرار في استغلال تضحيات الشعب السوري رافضين اعتبارها من هذه المطالب. الشعب لا يمكن أن ينتصر إلا باعتماده “الواعي” على نفسه؛ وإن فُرِض حلٌّ سياسيٌّ ما، فهو بدفع من الثورة، وبسبب الإنجازات التي تحققها، وبالتالي مسألة تقديم التنازلات هي ليست في مصلحة الثورة، بل تضعفها، وتجعل النظام يقتات أكثر فأكثر على هذا الضعف، ليس إلا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث