عديد نصار
أكثر من أربعة عقود من الصبر على المكاره، كانت كافية لاكتشاف الخدعة والتأكد من فساد المشروع.
لقد تحمّل الشعب السوري كل صنوف الاستبداد، وأسوأ أشكال الفساد، وتقبّل شظف العيش، واكتفى بالقليل الذي يكفي رمقه كي يستمرَّ بالعطاء والانتاج، لا خنوعاً ولا قبولاً بالمذلة، ولكن في انتظار لحظة “التوازن الاستراتيجي” المزعوم مع مَنْ يحتلُّ الأرض، ويدنس المقدّسات، ويهجر الشعب.
وكانت انتصارات المقاومة في لبنان تؤكد أن العدو الصهيوني قابل للهزيمة وأنه لا شيء يمنع من استعادة الأرض والكرامة الوطنية طالما سادت روح التحرر، وتوحّدَ الشعب حول هدف التحرير.
ولكنّ الطائرات الاسرائيلية ظلت تجول في سماء البلاد، وتعبر أجواء قصور الرئاسة، وتغير على مراكز حيوية، ومازال النظام يحتفظ بحقّ الرد في المكان والزمان المناسبين! دمرت اسرائيل جنوب لبنان، وهجّرت أهله، وأحرقت قطاع غزة، وجبهة الجولان المحتل على هدوئها المعتاد منذ أكثر من أربعين عاماً! في الوقت الذي بدأت الأرض تضيع من فلاحيها والقليل الذي سدَّ رمق الغالبية الساحقة بدأ يتراجع، والفساد لم يترك حقلاً خدمياً إلا ودمّره، والاستبداد لم يترك فتاة حتى لو قاصراً، تتساءل عن “آخر الصبر” إلا ويختطفها، ويرسلها وراء الشمس!
بلغ السيل الزبى، ووصلت الروح الحلقوم: “الشعب السوري ما بينذل وْلااااه!!” الصرخة الأولى التي خرجت من بوابة الحميدية تؤذِن بولادة الثورة. ولم يتأخر الرد الأسدي: ” الأسد أو نحرق البلد!”
انتفض أخطبوط المافيا ليتحوّل إلى وحش دموي، لسان حاله يقول: تفنى سوريا ويحيا الأسد!
غير أن هناك تفاصيل لا بد من استحضارها، لأن الشعب السوري ليس بهذه الشراسة، ولا تهمُّه كثيراً أمور السياسة. فرغم كل شيء ظل الشعب السوري يراهن على “وعي” و”انفتاح الرئيس الشاب الدكتور بشار” وعلى إصلاحات حقيقية لن يتأخر في إنجازها تتيح التخلص من عصابات الفاسدين والمتنفذين الذين يتعمّدون إهانة الشعب وسرقة مقدراته. بقي الأمل معقوداً لشهور رغم الكثير من التضحيات التي قدّمها خيرة من الشباب المنتفض بالصدور العارية في مواجهة عصابات الأمن والشبيحة.
أشهرٌ شهدت توسُّعاً للانتفاضة، شملت مختلف الأرياف، وكثيراً من المدن، قتل خلالها عشرة آلاف تقريباً، واعتقل ما يزيد عن عشرين ألفا من الناشطين.
لا! لم يكن الهتاف الأول في انتفاضة الشعب السوري يتضمن إسقاط الرئيس!
لم تخدع محاولات الالتفاف والحوارات الشكلية والإصلاحات الوهمية عموم الشعب في ظل استمرار، وتوسُّع عمليات القمع والقتل، فارتفعت وتيرة الاعتصامات والتظاهر ليحتلَّ مئات الآلاف ساحات معظم المدن. ليكون الرد حاسماً هذه المرة: الشعب يريد إسقاط الرئيس!
أحست مافيا السلطة بدنو الأجل، فرفعت وتيرة بطشها مستعينة بمختلف أنواع الأجهزة العسكرية والأفرع الأمنية وقطعان الشبيحة، وصولاً إلى قصف المتظاهرين وجنائز الشهداء بالدبابات.
وصدر العفو العام، الذي تم بموجبه إطلاق سراح المجرمين والإرهابيين، في حين استمرَّ التحفُّظ على الناشطين السلميين واليساريين والديمقراطيين الذين بدأت أعدادهم تتضاعف في السجون والمعتقلات. ودُفعت الثورة دفعاً نحو العسكرة بعد أن أجبِر العسكريون على قصف مدنهم وقراهم والبطش بذويهم. وبعد ارتكاب عدد من المجازر المروّعة بحق الآمنين والنساء والأطفال والشيوخ، فكان الجيش السوري الحر، وكانت، في المقابل، عصابات الشبيحة، كانت الثورة، وكانت قوى الثورة المضادة تتغلغل في صفوفها، كان الشباب المندفع في مواجهة الاستبداد، وكانت جبهة النصرة وداعش، وقوى الظلام المسماة جهادية.
التبس الموقف على كثيرين. ساهم الإعلام بخبث في رسم معالم للثورة غير معالمها الحقيقية. أظهرها عصابات تسفك الدماء، وتذبح الآمنين، وتأكل القلوب والأكباد. ألصق كلّ موبقات الثورة المضادة جميعها بالثورة، وفبرك الكثير من النماذج الزائفة محاولاً إسقاط الطابع التقدمي عنها.
وهذا ينطبق على إعلام النظام وأبواقه كما ينطبق على الاعلام الذي اعتبر مناهضاً للنظام أو “صديقا” للشعب السوري.
وفي ظل تواطؤ كل أنظمة العالم الرأسمالي، وتعاميها عن الجرائم المتزايدة لعصابات الأسد التي فاقت كل وصف في بشاعتها، بما فيها تهجير ما يزيد عن ثلث السوريين داخلياً والى الخارج، وعن تدمير مخيف للمدن والأحياء والقرى، وعن مزيد من الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها أجهزة النظام في المعتقلات بحق المعتقلين الذين سقط منهم أكثر من عشرين ألف تحت التعذيب، وعن حصار المناطق والأحياء ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين حيث قتل أكثر من مائة شخص بسبب الجوع، تستمر العصابات الأسدية في تنفيذ شعارها الأول الذي أطلقته في وجه الشعب السوري: “الأسد أو نحرق البلد”! بحيث أكدت تلك الأنظمة ليس فقط عداءها للشعب السوري، وإنما عداءها المطلق للإنسانية.
اليوم، وبعد ثلاث سنوات على انطلاقة الثورة السورية العظيمة والمستمرة في وجه الاستبداد الأسدي، وفي وجه تواطؤ النظام العالمي وفي نفس الوقت، في وجه قوى الثورة المضادة الظلامية “مسبقة الصنع” أو المستقدمة من أصقاع العالم. وبرغم كل هذا الجنون والدمار، وهذه الدماء، وهذا التنكيل والاقتلاع، لا رهان على “إرادة دولية” ولا على ما جرى، ويجري في أروقة جنيف أو غير جنيف.
كل الرهان ما زال قائماً على الشعب السوري، وعلى هتاف ثورته الأول: “الشعب السوري ما بينذل!”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث