ليليا نحاس
الاعتقال السياسي هو من تجارب الحياة الاستثنائية، منعطف حياة قد يغيّرك من الداخل، كما لم يغيّرك أي شيء آخر، وقد يفضي بك إلى النهاية.
في سوريا اليوم ما يزيد عن مئتي ألف إنسان معتقل في نهاية السنة الثالثة من الثورة الشعبية ضد نظام الحكم القائم، يعتقل النظام إنساناً كل أربع دقائق في الأراضي السورية. آلاف من الشباب السوري خاضوا تجربة الاعتقال، عاشوا بشاعة ما يحدث في المعتقل، اُعتقل البعض لساعات بينما بقي آخرون لسنوات، لكنّ أحداً لم يخرج كما كان.
عالم ذاخر بالحِكَم والعِبَر، هكذا يصف لنا الأستاذ عدنان حياة المعتقل، اعتقل الأستاذ عدنان البالغ من العمر 37 عاماً إثر تقرير كتبه أحد زملائه يتهمه فيه بتشجيع طلابه على المظاهرات، وتلقينهم معاني الحرية، يقول الأستاذ عدنان متحدّثاً عن تجربته في المعتقل والتي دامت ثمانية أشهر “عُذّبنا بأساليبَ وحشيةٍ من شأنها أن تقتل الجرأة والأقدام وتطفئ كل الأفكار الثورية، كنت في أقصى درجات العذاب أمقت تلك الساعة التي دعاني فيها صديقي للخروج في المظاهرة الأولى لي، وكلما عدت إلى المهجع، وانتهت ساعات التعذيب زدت اصراراً واستعداداً لمعاودة التجربة، مالم يكونوا يعلمونه أنهم كانوا يعلمون المعتقلين كيف يثورون أكثر، كان الجميع يزداد إيماناً بالثورة يوماً بعد يوم.
في المعتقل تتعلم كيف تستخلص المعاني من أتفه الأمور؟؟ أذكر بأني كنت أعزم أن أحقق انتصاراً كلّ يوم كأن أنام ساعة إضافية أو أحصل على زيتونة إضافية، كانت انتصاراتي الصغيرة هذه تعوّض ما تتلقاه نفسي من الانكسارات الكثيرة كل يوم”.
“كامل” شابٌّ في الثانية والثلاثين من العمر اُعتُقل واُتُّهم بمحاولة تشكيل تنظيم معاد للدولة، يتحدث كامل عن تجربة حياة استمرت سنة ونصف في عتمة المعتقل “المعتقل يعيش دور المغلوب دائماً، عشت دور المغلوب فترة طويلة كنت محاطاً بالمتدينين في المعتقل، كنت أحسدهم كثيراً، لأنني كنت أفقد إيماني بالعدالة الإلهية شيئاً فشيئاً، مع هذا كنت أشعر بالراحة كلما بادر أحدهم ليتلو بعض الآيات القرآنية سراً فيسري عن أنفسنا الضجر والضيق وانسداد الأفق، بالرغم من تعدد أساليب التعذيب والجوع إلا أن أكثر ما كان يخيفني هو العتمة، كنت ألعن فيها من اخترع السجون بلا ضوء لابد أنه من سلالة الشياطين، كنت أشعر بروحي تنعصر في الظلام، انتظر أيام الاستحمام التي تأتي مرتين كل شهر في باحة السجن حتى أتشرب الضوء، منذ خرجت من المعتقل حتى اليوم لم أستطع الجلوس في العتمة ولو لساعة، اخترت أن أجلس قرب باب المهج طوال الوقت، كان يدخل علينا السجانون، ويطلبون واحداً أو أكثر من المعتقلين، نكتشف بعد أيام أنهم ذهبوا للإعدام، معظم من ذهبوا للإعدام كانوا يمكثون الحائط المقابل لي في آخر المهجع حتى خيل لي أن نافذة الموت، فتحت هناك، وأني هنا أبعد الجميع عنها آمنت بالفكرة لفترة طويلة، عندما خرجت عرفت أنها محاولة نفسية للتملُّص من الموت، كان في مخيلة كل منا حياة أخرى، تتخبط انفعالاتنا ومشاعرنا بين عالم الموت التراجيدي الذي نراه أمامنا والذي يغلق كل أبواب الأمل ، وبين حياة متجددة في مخيلتنا نتحايل فيها على عتمة المعتقل “.
سالم يبلغ الـ 19 عاماً، اعتقل بتهمة التظاهر وكتابة العبارات الثورية على اللافتات، يتحدّث سالم عن التغيُّرات التي عاشها داخل المعتقل “عشت دور الابن الوحيد المدلل منذ نعومة أظافري حتى ساعة دخولي إلى المعتقل، لم نكن عائلة غنية لكني لم أكن احتاج شيئاً، فهناك من يلبي كل طلباتي، كل شيء كان مختلفاً هناك وكأن الدنيا التفت من حولي لتريني وجهها الآخر، دامت فترة اعتقالي ثلاثة أشهر، كنت أشعر بأن الحياة تردُّ لي ما لم أعشه من الحرمان والعذاب دفعة واحدة، فقدت كل شيء دفعة واحدة، كان كل محقق يعرف بأني الابن الوحيد لأهلي، كان يهديني المزيد من ساعات التعذيب، كان يلاصقني ثلاثة أشخاص على الأقل أثناء النوم بينما لم أقبل أن أنام بجوار أحد طوال عمري، عندما خرجت لم يبقَ شيء في حياتي كما كان، أكبر مكتسباتي أني تمسكت بالفتاة التي أحب، بتُّ أقدر وجودي مع عائلاتي، فأنا اليوم أدرك صعوبة الفقدان “.
هناك الكثير مما لم نسمعه بعد، فلايزال الآلاف يعيشون أشد العذابات الإنسانية في المعتقلات والسجون السورية، يسكنون العتمة، ويحلمون بوطن يستحقونه، ويراهنون على ثورة لا تنسى معتقليها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث