عبد القادر عبد اللي
لا أعتقد أن أحداً وصلت به السذاجة إلى درجة تصديق تبرير رئيس تنظيم حالش حسن نصر الله بأنه أمر قواته بالزحف إلى سوريا دفاعاً عن قبر السيدة زينب. ولكنَّ كثيرين تظاهروا بالتّصديق. وبالطبع حتى حالش سحبت هذا التبرير من التداول، وعادت إلى النغمة القديمة التي يعرفها الجميع دون استثناء، نظام ومعارضة وحالش ومراقبون، إنها كذبة أيضاً وهي الدفاع عن المقاومة.
طبعاً حتى الذي تدافع عنه حالش لا يدّعي هذا، واختار لنفسه اسماً آخر منذ زمن بعيد هو الممانعة. وكانت أولى إنجازات حالش عند احتلالها حي الخالدية الحمصي ومسجده الجامع تدمير قبر خالد ابن الوليد وعبد الله بن عمر بن الخطاب…
عندما احتلت داعش ما حرّره السوريون من أرضهم، فكانت إنجازاتهم غير قطع الرؤوس والأيدي وكم الأفواه، تدمير المقامات والقبور التي لها أثرٌ نفسي عند الناس.
وفي 15 آذار 2014 أعلنت الصحافة التركية أن داعش تحاصر قبر سليمان شاه جدّ مؤسس الدولة العثمانية المدفون قرب حلب، وهو أرض تركية بموجب اتفاق بين حكومة الانتداب الفرنسي لسوريا والحكومة العثمانية عام 1921. سارع الناطقون باسم الحكومة التركية بإصدار التصريحات النارية التي بات السوريون يتندرون بها، ويستهزئون منها!!
من هذه التصريحات كلام داوود أوغلو حول قبر سليمان شاه: “لتركيا الحق باتخاذ كلّ التدابير اللازمة في موضوع حماية الأمن والاستقرار على الأرض التركية. نأمل ألا يحدث هناك أي خرق.”
وقد أطلق تصريحه هذا في مؤتمر صحفي مشترك مع وزيرَيْ الخارجية الإيراني والأذربيجاني ضمن مؤتمر يعقد لوزراء خارجية الدول الثلاث، وكانت تركيا المستضيفة لدورته الثالثة هذه.
وخلال افتتاح “حديقة ومتحف الشهداء”، ورداً على سؤال أحد الصحفيين، صرّح وزير الدفاع التركي عصمت يلماظ: “على أمتنا وعلى العالم ألا يشك بأننا سنرد هناك (قبر سليمان شاه) مثلما سنردُّ على أيّ اعتداء يستهدف أرضنا”…
صحيح أن تصريحات المسؤولين الأتراك المشابهة لهذه باتت نكات يتندر بها السوريون، وشغلت الرأي العام العالمي كثيراً لوحات الخط الأحمر الذي أعلنه رئيس الحكومة التركية عن حماه، ولكن هل يحتمل الأتراك (معارضة وموالاة) تدمير قبر سليمان شاه؟ الجديد هذه المرة في التصريحات أنها المرة الأولى التي تصدر عن الجيش، فقد نُقل عن رئاسة هيئة الأركان التركية بأن الإجراءات العسكرية اكتملت، وسيكون هناك تدخل جوّي بداية، وإن لم يردع ستدخل القوات البرية.
هل كان تصريح داوود أوغلو وهو واقف بجوار وزير الخارجية الإيراني موجهاً لداعش أم لرعاة داعش؟ وهل وصلت الرسالة لرعاة داعش؟
لدى الحكومة التركية تفويضٌ من البرلمان باستخدام القوة في حال الاعتداء على أراضيها، حصلت عليه احتياطاً عندما احتدت المعارك على حدودها بين الجيوش التي تقاتل باسم النظام، والكتائب التي تحارب باسم المعارضة.
اتفقت الصحف التركية على نقطة أخرى وهي إرفاق عبارة “المرتبطة بالقاعدة” بعد كلمة داعش. داعش أعلنت فك ارتباطها بالقاعدة، والقاعدة أصدرت أوامرها مرات عديدة لداعش، ورفضت داعش تنفيذ تلك الأوامر، فما الذي يربطها بالقاعدة؟ ولماذا الادّعاء بأنها مرتبطة بالقاعدة؟
كل من يريد أن يحارب عدواً اليوم لابد له أن يربط القوى التي يحاربها بالقاعدة من أجل كسب مشروعية أممية في حربه، فلو قيل “داعش المرعية من النظام السوري والإيراني” لما تمكّن الأتراك من شنّ أيّ هجوم عليها، لأنها حينئذ ستكون قد شنّت هجوماً على نظام يمنع المجتمع الدولي سقوطه مهما كلف الثمن.
إنها ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها قوات تركية في الصراع الدائر على سوريا اليوم، فقد دخلت وحدات من قسم العمليات الخارجية في المخابرات التركية يوم اشتدت المعارك قرب الأتارب بين الجيش السوري الحر وداعش، وساهمت بإطلاق سراح صحفي تركي كان مخطوفاً لدى داعش. وتسربت أمور كثيرة حول مشاركة من الخلف لقوات تركية بطرد داعش من قرب الحدود التركية المحاذية لمحافظة إدلب.
لقد كان قبر السيدة زينب ذريعة لدخول التنظيمات الجهادية الشيعية من شمال أفغانستان إلى لبنان في الحرب الدائرة على سوريا، فهل يكون قبر سليمان شاه ذريعة للتدخل هذه المرة كذريعة السيدة زينب؟ وقد استكملت كلُّ الاحتياطات في حال حدوث هذا.”
مثلما لم يصدّق أحدٌ ذريعة الدخول لحماية قبر السيدة زينب بمن فيهم المتدخلون، لن يصدّق أحدٌ أن تركيا ستضرب داعش حماية لقبر جدّ مؤسّس الدولة العثمانية سليمان شاه..
ولكنّ السؤالَ الأهمَّ: هل يبلغ الحمقُ برعاة داعش أن يدفعوها للاعتداء على قبر سليمان شاه وإعطاء ذريعة لتركيا بالهجوم على داعش، وبالتالي إراحة الكتائب المعارضة في قتالها ضد النظام؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث