فيكوريوس
بيان شمس
بعد
نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول العربية تنال “استقلالها” عن
دول الاحتلال الأوروبي، التي عملت قبل انسحابها على تقسيم الشق الآسيوي من العالم
العربي، عبر ما عرف باتفاقية “سايكس – بيكو” في العام 1916، والتي جزّأت
بلاد الشام بالإضافة للعراق بين دولتي “الانتداب” آنذاك فرنسا –
بريطانيا، إضافة لجعل فلسطين منطقة دولية، للدولتين العظميين نفوذ مشترك بها،
بموافقة ومباركة روسيا القيصرية آنذاك.
هذا “الاستقلال” في العام 1946 تقسيم فرنسي لسوريا ولبنان في العام
1922، أخذ بعين الاعتبار التوزّع الديموغرافي الطائفي للبلاد، بحيث حصلت كل طائفة
على دويلة فيما عُرف “بالاتّحاد السوري” الذي قسّم سوريا إلى خمس
“دول”: دولة جبل الدروز، دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، ودولة
الإسكندرون. إضافة لدولة “لبنان الكبير”.
“بالإضراب الستيني”، وهو أطول إضراب تشهده البلاد آنذاك، والذي أفضى
لرضوخ الاحتلال الفرنسي، وإلغاء “الإتّحاد السوري”. لكن ذلك لم يرُق
لسليمان الأسد، جدُّ الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، ومجموعة من وجهاء طائفته
ذوي النزعة التقسيمية حينها، والذين خاطبوا رئيس حكومة الاحتلال الفرنسي ليون بلوم“leon blum” في
العام 1936، برسالة محفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، تحمل الرقم (3547)، تطالب
الاحتلال بالبقاء خوفاً من ممّا أسموه “استبداد المسلمين بهم، أو على الأقل
الحفاظ على “دولة العلويين” وفقاً لتقسيم العام 1922، بحيث خاطبوه
قائلين: “إن روح الحقد والتعصّب التي غرزت جذورها في صدور المسلمين العرب نحو
كل ما هو غير مسلم هي روح يغذّيها الدين الإسلامي على الدوام”.
إذاً، خوف من المسلمين والعرب، سيترجم لاحقاً بتعاون
استراتيجي مع إيران خارجياً، وتدخّل سافر في لبنان، عدا عن سياسة ضبابية
ديماغوجية في العراق. وبممارسات ذات طابع طائفي داخلياً، متمفصلة على ولاء مطلق
له.
كانت هذه
الممارسات المنعقدة على أسباب تاريخية عميقة، كفيلة بتوليد حقد اجتماعي سيعبّر عن
نفسه عند أول فرصة تتيح له الظهور. لكن كيف؟
النظام على تعميم حالة من الذعر بين أبناء المجتمع السوري الواحد من الخطر الأصولي
القادم. ولتدعيم هذا التوجّه، أطلقَ المعتقلين الإسلاميين من سجونه، لنشهدَ فيما
بعد بروز تنظيمات “إسلامية” متطرّفة، كانت كل ممارساتها تؤكّد ما طرحه
إعلام النظام. إضافة إلى بروز شخصيات دينية “تلفزيونية” كعدنان العرعور
مثلاً، ساعدت النظام على عملية الحشد والتعبئة الطائفية، بحيث نحّى خطابه
“القومي” الذي كان يصدح به ليل نهار، لحساب ممارسات طائفية أبرز معالمها
ممارسياً، تشكيل ما يسمّى “باللجان الشعبية” ذات الصبغة
“العلوية” الغالبة. هذه اللجان المنفلتة من عقالها، والتي ارتكبت جرائم
لا تختلف من حيث بشاعتها عن جرائم المنظّمات الأصولية التي عمل النظام على
إيجادها، ناهيك عن المنظّمات ذات اللون الطائفي الواحد، من ايران ولبنان والعراق.
الوطني لقوى الثورة والمعارضة” يخضع لمحاصصات وتوازنات طائفية وقومية، وربّما
مناطقية أيضاً، تتشابه بدرجة كبيرة مع محاصصات النظام، وهو ما ينبئ باستكمال نفس
النمط السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي بدأه النظام، بالإضافة لتوالد عمليات
فساد تذكّر بالفساد المستشري منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي إلى اليوم. عدا
عن تغيير ديموغرافية مناطق هامّة وواسعة من سوريا كحمص، وهو مخطّط قديم حديث، بدأ
في العشرينيات، ومازال مستمرّاً إلى اليوم.
الرئيس الأميركي ديك تشيني بزيارة للملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، تسرّب
عنها معلومات خطيرة مفادها: أن هناك نية لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة الذي عبّر
عنها فيما بعد بـ “استراتيجية الفوضى الخلّاقة”، وهو ما عمل عليه مدير
ملف “الشرق الأوسط” وافريقيا أليوت أبرامز صاحب الصيت السّيئ، والخطّة
تقوم على إشاعة الفوضى في المنطقة؛ لإعادة تقسيمها من جديد بما يتناسب ومصالح
القوى النافذة فيها.
الأميركان بناء استراتيجيتهم لو لم يكن هناك واقع يساعدهم على ذلك؟ هل كان
باستطاعتهم دخول العراق لو لم يوفّر لهم النظام آنذاك كل أسباب التدخّل من جهة؟،
وتخلّي شعبه عنه من جهة ثانية؟ ثم إذا كانت النيّة هي تقسيم على أساس طائفي، ألَم
يساعد النظام في تسريع تلك المهمّة، عبر عمليات “الترانسفير” التي قام
بها في حمص بشكل جلي؟. خضع هذا لتأويلات وتحليلات كثيرة أجمعت على أحد أمرين
أساسيين، إمّا تمهيد لتنفيذ مخطّط التقسيم كاستكمال للمشروع الأميركي الذي بدأ في
العراق، واستمر بعده إلى السودان واليمن، وربّما ليبيا في مرحلة لاحقة. أو أنّها
الطريقة الأضمن لحماية الشخصيات الأبرز المتورّطة بالمجازر التي مازالت ترتكب منذ
ثلاثة أعوام في طول البلاد وعرضها، ليس هنالك أضمن من “كانتون علوي”
يحميها ويؤمّن استمرارها.
الفرنسية بقيادة الجنرال غورو في معركة ميسلون لمنعه من دخول دمشق، غورو الذي وقف
على قبر صلاح الدين الأيوبي هاتفاً: “هاقد عُدنا يا صلاح الدين”، ليتركوا
البلاد بعدها بستة وعشرين عاماً، وهو ما لم يرُق لسليمان الأسد جدِّ الرئيس الحالي
بشار الأسد، الذي خاطب المحتل متسولاً بقاءه. فيما تجاوزه حفيده بتحقيق ما عجز هو
والاستعمار عن تنفيذه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث