الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / ثورتان وهيمنة واحدة.. فكيف ننتصر؟!

ثورتان وهيمنة واحدة.. فكيف ننتصر؟!

عمّار الأحمد
تنجح ثورات الشعوب حينما تمتلك نظريةً للثورة، وحركة ثورية واعية لشرطها المحلي وللشرط العالمي؛ الثورة السورية تأخّر انتصارُها لغياب الأمرين معاً، وبسبب تسلُّط معارضة فاشلة تاريخياً، ويتأكّد فشلها تباعاً، سواء في كيفية إدارة جنيف، حيث قاطعه المجلس الوطني، ولكن شخصيات منه حضرت، ثم عاد المجلس نفسه إلى الائتلاف، بطريقة غاية في الانتهازية، ضاربين بعرض الحائط كلَّ اللوائح التنظيمية للعمل المشترك، ومتجاهلين ويلات الحرب في الداخل. 
الفشل الآخر، يكمن في طريقة حلّ الخلاف بين وزير دفاع حكومة الائتلاف الفاشلة ورئاسة الأركان، لتتكرّس حالةٌ في غاية الرّداءة في كيفية حلّ المشكلات، عدا عن تحويل تلك المؤسسات إلى ما يشبه المؤسسات الشخصية، وهو ما فعله كل من سليم إدريس وأسعد مصطفى، وكذلك أحمد الجربا. في هذا المجال لا نعلم ماذا تفعل حكومة الائتلاف ولا رئاسة الائتلاف، ولا رئاسة الأركان، بينما على الأرض يتكرّس واقعٌ مأساويٌّ، وحرب مدمرة في طول البلاد وعرضها، ولا يتوقف النظام عن دكِّ حلب ودرعا والقلمون وسواها بالبراميل القاتلة.
الثورة الأوكرانية وبدلاً من السير بتحقيق مطالب الشعب الأوكراني وتعميق الدولة الديمقراطية وبتحسين الوضع العالم للسكان والبدء بنزع الهيمنة الروسية بهدوء، لجأت إلى التصعيد ضد الروس، معلنة خلع الرئيس المُقرّب من الرُّوس وإلغاء اللغة الروسية كلغة أساسية، والبدء بممارسات عدائية ضد الروس، ومن جراء ذلك تحرّك الروس بكلِّ ثقلهم العسكري لغزو جزيرة القرم، وأوقفوا تدفُّق الغاز والنفط، وشجّعوا النزعة الانفصالية في القرم، وفي الجزء الشرقي من البلاد، وقاموا بجملة إجراءات ضد النظام الجديد، وهو ما يهدد الثورة، ويهمش القوى التي سيطرت على أوكرانيا. ولكن هل هذا يجعل روسيا تتخلى عن دورها المركزي في سوريا لمصلحة دور مركزي في أوكرانيا، وتنشأ صفقة مبادلة دولية، تسمح بجنيف3 وبممارسة ضغوط روسية قوية على النظام كي تبدأ المرحلة الانتقالية بقيادة جزء من النظام والمعارضة؟ وهو السؤال المطروح بقوة الآن سوريّاً.
هذا السؤال ربّما يفترض أنّ هناك أزمةً دوليةً تتفاقم في أوكرانيا، وبالتالي لا بدّ من صفقات في أماكن أخرى؟ الحقيقة ليس هناك شيء حقيقي لدى أوروبا أو أمريكا لمصلحة الثورة الأوكرانية كما لم يكن لديهم شيء حقيقي ضد النظام السوري، وبالتالي ليس هناك ووفق المواقف المعلنة عالمياً أي جديد فيما يحدث، وبالتالي هناك ثورتان متعثّرتان وهيمنة روسية لم يتغير فيها أيّ شيءٍ جديد.
ينشر بعض أقطاب المعارضة أن الأزمة الأوكرانية ستكون المدخلَ الجديدَ لحلِّ الثورة السورية، وهم بذلك يكررون نشر الوهم، أن أمريكا وأوربا معنية بإيجاد حل للوضع السوري، بينما يقول الواقع ليس من شيء في ذلك أبداً، وأن الوضع على حاله كما كان من قبل.
الإشكال هو في الداخل، حيث يصعّد النظام حربه الجوية والمدفعية والصاروخية، وفي القلمون فقط هناك محاولات للتقدم بواسطة المليشيات التي استقدمها النظام من العراق ولبنان وإيران. ما يقوّي موقف النظام عدم وصول مضادات أرضية للطيران، واستمرار قدرته على القصف بلا هوادة وبدموية بالغة، واستمرار رداءة المعارضة والجيش الحر والكتائب المقاتلة بالعموم؛ فلا خطط عسكرية تستحق الاحترام، وصراعات لا متناهية بين كلِّ هذه التشكيلات، وتداخل استخباراتي واسع من النظام ومن الدول الإقليمية والعالمية، وارتهان لهذه التدخلات، وهذا ما يعقّد تطور الثورة، ويدفعها باستمرار إلى أن تصبح حرباً مدمّرة بالكامل، وربما حرباً طائفية.
الثورة التي صُودر مكوّنها المدني، وانفلت مكوّنها العسكري، بشكل أدخل السلفية الجهادية التكفيرية كمكوّن فاعل فيها، تخوض أشرس المعارك ضد النظام، وضد تلك الجهاديات، وإذا كانت حربها الأساسية ضد داعش الآن، فإن بقية الجهاديات ليست بأقل من داعش تطرُّفاً وتشويهاً للثورة، ورؤيتها الإسلامية لمستقبل سوريا، هو ما يهدّد الثورة الآن، وفي المستقبل حالما تنتصر. 
وبالتالي هناك ضرورة لكي ترتقي القوى الثورية والسياسية كافة لفهم طبيعة الثورة وطبيعة مشكلاتها، ومنها إنهاء ظاهرة الجهادية، ولا سيما في مكوّنها العسكري، لأنها ظاهرة مدمّرة للثورة ومنقذة للنظام ومبررة لأيّ طرف إقليمي ودولي بالتحجُّج في عدم دعم الثورة، والأهم من هذا وذاك، أنها تدمّر الثورة وتمنع أي تعاطف من شعوب العالم معها.
بغياب أي أفق لحل سياسي الآن، وحتى بوجوده لاحقاً، فإن ما ينقذ الثورة، هو إيقاف النهج الفاشل لرهن الثورة مصلحة معارضين فاشلين وأنانيين وفاسدين، ولا يتورّعون أبداً عن القيام بممارسات شبيهة بما يقوم به النظام.
 الثورة ليست بخير أبداً؛ فالشعب السوري إمّا مشرّد داخل سوريا أو خارجها، أو  مُحاصَر، أو مُعتقَل أو مفقود، أو يقتل يومياً، وهناك جوع مخيف وفقر واسع الانتشار، وتوقف عن العمل لثلاث سنوات متواصلة، وبالتالي لا بد من نقد المعارضة السياسية والعسكرية بلا هوادة، وكشف كلِّ ملفات الفساد خاصتها، فمن يكون فاسداً لا يمكن أن يكون ثورياً بحال من الأحوال، بل وسيحاول تشويه الثورة وتأخير انتصارها قدر الإمكان.
الثورة تتعقد مشكلاتها، وتتضاعف، والثورة المضادة تأكلها كما يفعل النظام تماماً. ودون تغيير واسع في استراتيجيها، وفي قياداتها واعتماد برنامج يحدّد بوضوح جليٍّ أهداف الثورة، ويقطع مع كلِّ تفكير جهادي أو طائفي، فإنّ الثورة قد تدخل مستنقع الفشل، وهو ما سيعرّض سوريا لما يقترب من الصوملة أو الأفغنة.
الأمريكان والأوربيون لن يدعموا الثورة، والرُّوس والنظام وإيران يدفعون سوريا نحو خيار الصوملة تماماً، فماذا ستفعل المعارضة بكلِّ تياراتها غير ما هي عليه؟!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *