رانيا مصطفى
عانت المرأة السورية في فترة الخمسينيات وما قبلها من الاستغلال والتمييز الجنسي في معظم أنحاء البلاد، وهي ذات الطابع الريفي.
استغلال يضاف إلى استغلال عامٍّ يقاسيه الفردُ ذكراً كان أم أنثى، بفعل التفقير، واستغلال إقطاعيي المدن للفلاحين؛ ويترافق باستغلال كبير لأولئك النسوة عبر الزواج المبكر وتعدّد حالات الاغتصاب من المالكين، فضلاً عن تزايد ساعات العمل في الأراضي الزراعية للنساء والأطفال دون الحصول على مقابل سوى ما يسد قوتهن اليومي.
يستثنى من ذلك جزءٌ من نساء المدن الكبرى من أبناء الطبقة الوسطى، واللائي يحظين بحقِّ التعلم والعمل وحرية ممارسة العمل السياسي والفكري، رغم أن المرأة لم تتبوأ مناصبَ سياسيةً تذكر آنذاك.
إصلاحات حزب البعث وفّرت الكثير من فرص التعلُّم والعمل لأبناء الريف، ومنهم النساء، حيث بدأت المرأة الريفية، ومن بوابة العلم والعمل، تُحسّن من موقعها الاجتماعي لمصلحة بعض المساواة مع الرجل.
هذا التّحسُّن لم يدم كثيراً بسبب أنه لم يكن محمياً باتحاد نسائي فعلي، حيث تزايدت السيطرة الأمنية عليه، وعلى كل الاتحادات والنقابات المهنية، فضلاً عن امتيازات يُرشى بها قادتها لإضعافهم، فتبددت فعاليتها، وكانت شكلية الحضور.
تصاعُدُ الفساد وظهور مترسملين جُدُد من نهب أموال القطاع العام، دفع الحكومة بعد تسلم بشار الحكم، للتحالف مع المافيات التجارية القديمة، والضغط على الحكومة لاتباع سياسات الانفتاح الاقتصادي.
هذا ما تحقق بشكل كبير في 2007؛ وكانت نتيجته إفقار المجتمع، الفقير أصلاً، وسدَّ كلَّ السبل أمام جيل الشباب والشابات للحصول على فرصة عمل.
هنا عاد المجتمع الفقير مجدداً إلى زمن الخمسينيات، حيث استغلال النساء؛ حيث يضيق الآباء من ارتفاع تكاليف التعليم في الجامعات والمدارس، ومن تأمين معيشة عائلاتهم. هنا تصاعَدَ الاستغلالُ الجنسي للفتيات الفقيرات في الجامعات وفي دوائر العمل الخاص؛ بل وزادت بيوت الدعارة العلنية، بعد أن كانت تقتصر على أماكن قليلة وفي المدن الكبرى فقط. هذا ما جعل الفتيات عرضة لكل أشكال التحرش والابتزاز. وبالتالي فقدت المرأة السورية الكثير من قوَّتها السابقة، وتصاعدت من جديد حدة التمييز بين الجنسين.
بموازاة ذلك، وبسببه، ارتفعت نبرة الوعظ الأخلاقي للمرأة، خاصة الوعظ الديني، وكذلك الوعظ المجتمعي، وكله يدين المرأة بغضِّ النظر عن الظرف الذي فُرض عليها، وعلى مجتمعها. هذا الظرف المتمثل بالإفقار والتهميش حدَّ المذلة وانتهاك الكرامة الإنسانية، ما جعل الشعور بالحرمان يساوي التخلي عن الأخلاق العامة. وبذلك بدأ بالفعل التفكك المجتمعي.
وفي ظل الثورة السورية، التي كان تهميش غالبية المجتمع جزءاً فاعلاً في مسبباتها، تتصاعد المعاناة الإنسانية، وفي أساسها معاناة المرأة، أماً ثكلى وأرملة وقاصراً يتيمة، ويتصاعد مع زيادة التهجير، العوزُ إلى أسباب الحياة، الطعام والدواء واللباس والدفء… كل ذلك زاد من أزمة المرأة، ومن فرص تعرضها للاستغلال الجنسي؛ حيث تزايدت بيوت الدعارة وحالات زواج القاصرات، فضلاً عن تصاعد استغلال المرأة بتشغيلها ساعات طوال في دول اللجوء.
هنا استعرضنا جزءاً من تاريخ أزمة المرأة، لنجد أن استغلالها مرتبطٌ بسياسات التفقير، والحد منه والبدء بإنصافها يمرُّ عبر إنصاف المجتمع ككل، أي عبر تأمين حاجاته المتعلقة بإيجاد فرص عمل كافية والحفاظ على التعليم المجاني لكل المراحل الدراسية. هذا يتم عبر الانتقال إلى التصنيع ودعم الزراعة، والحد من ميل القطاع الخاص نحو الاستثمار في المجالات الربحية غير المنتجة. وكذلك عبر دعم دور المنظمات النسوية الفاعلة والمشاركة في سن القوانين، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والأحوال الشخصية وحقوق الطفل… وهنا يمكن بناء مجتمع أكثر عقلانيةً وتماسكاً وحداثة، دون الحاجة إلى الإكثار من منابر العظات الأخلاقية..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث