ليليا نحاس
للمرة السادسة تماماً تُراجع والدةُ هيا قسم الإسعاف في المشفى الحكومي في مدينة حلب، وتطلب من الأطبّاء انتزاع سُميّة الدواء الذي تناولته ابتنها، هيا التي تبلغ خمسة عشر عاماً من العمر، فشلت للمرة السادسة في إنهاء حياتها، بفضل جهود الأطباء المسعفين الذين عملوا على سحب علبة كاملة من الأسبرين من معدتها.
لم تكن حالة هيا خطرة هذه المرة، ويذكر الدكتور سامر أنها وصلت إلى حالة خطرة مرتين، دخلت إحداهما في غيبوبة لعدة ساعات، تجلس والدة هيا بجانب السرير صامتة، وكأنها تقوم بمراجعة طبية روتينية لابنتها، أقتربُ بصفتي مُسعفة لأسأل الأم عن طريقة اكتشافها لمحاولة الانتحار، فتجيبني أن ابنتها أخبرتها بذلك، وطلبت منها إسعافها، وأنها من أبلغها في أربع محاولات انتحار ماضية، وتقول الأم ” عدت ذات مرة من السوق لأجد ابنتي ملقاة ومغمى عليها خلف الباب مباشرة، أما باقي المرات فكانت تأتي إليَّ بهدوء، وتطلب مني أن أسعفها لأنها تخاف من الموت”، أسأل الأم “ولماذا كانت خلف الباب تحديداً” تُفاجَأ الأمُّ بسؤالي، وتغيّر مكان جلوسها دون أن تجيبني، لابد أن يكون وراء هذه الفتاة الجميلة حكاية لا يعرفها أحد، فواضحٌ أنّ هيا تريد الهروب ولا تريد الموت، يمازح الدكتور سامر هيا، ويقول لها ” مو اتفقنا تعيشي، وتصيري عروس حلوة، ليش شربتِ الأسبرين يا هيا!” تجيبه هيا ببرود “لأن ما عم تنزل القذيفة علينا!”، في كل مرة تعود هيا إلى بيتها بجسد مُتعب دون أن يُعنى أحدٌ بعلاج نفسي لها، وهي لا تجد حتى مَنْ يحاول الوصول للسبب الحقيقي الذي يدفعها للانتحار، قسم الإسعاف هنا يعج بإصابات الحروب الخطرة، ويقتصر عمل الأطباء على إعادة جسدها سليماً، ولا وقت للحديث مع مراهقة تدفعها هرموناتها ومزاجها لأفعال جنونية كهذه!.
يحذّرني د.سامر مراراً من الخوض في حياة المرضى الشخصية لكني لم أستطع السكوت والوقوف مكتوفة الأيدي هذه المرة، فهيا لن تنجوَ كلّ مرة، ترتاح هيا على سرير وضع في الممر بعد أن انتهى الإفراغ المعدي، وتقف أمُّها بجانبها متململة لكنها لم تفارقها للحظة، طلبت من هيا مرافقتي لغرفة التحاليل، وطلبتُ من الأم انتظارنا خارجاً، فاستجابت بعد أن منعتها من مرافقتنا بحزم، جلستُ وهيا، وطلبت منها فقط أن تتكلم، وأن أستمعَ إليها، لم يتطلب مني الأمر الكثير من العناء فقد كانت هيا تنتظر أن يسألها أحدٌ هذا السؤال باهتمام، بدأت حديثها عن خطيبها السابق، وعن حبّهما وإجبار والدها لها بالانفصال عنه، بعض المبالغات والأوهام كانت واضحة في حديث الفتاة إلى أن بدأت الحديث عن أختها سابقاً، اتّضح أنّ لـ هيا أختاً وحيدة تكبرها بخمسة أعوام تدعى ماجدة، كانت ماجدة طالبة في السنة الأولى من حياتها الجامعية عندما انطلقت الثورة، كانت ماجدة ناشطة جداً في تنظيم المظاهرات في الجامعة أي “تتظاهر مع الشُّبّان في الجامعة” تبعاً لتعبيرات والدهما، اُختُطفت ماجدة منذ سنة في ظروف غامضة ضمن مدينة حلب، وقيل لوالدها في اتصال وَرَدَهُ أن ينساها تماماً، ولم تظهر فعلا حتى الآن، ويقول والدها بأنها معتقلة أو مخطوفة من الشبيحة، تضيف هيا بأن والدها عتّم على الموضوع بشكل تام، وادّعى أمام محيطه بأنه قرّر عزل بناته في البيت خوفاً من الظروف، توقفت على إثرها هيا من الذهاب إلى مدرستها، وفسخت خطبتها بشكل مُفاجئ، ومنعها والدُها من التّواصُل مع أحد، لم تعشِ العائلةُ حياةً طبيعيةً منذ ذلك الوقت، “بنام وبفيق على قتلة ” قالت هيا تعليقاً على طريقة حياتها والعنف المفرط الذي يمارسه والدها تجاهها، كلّما تذكر أختها، يسيطر على والد هيا الشعور بأن ابنتيه قد جلبتا له العار، ويردّد أنه سينتقم منها إن عادت، تمنت هيا في حديثي معها أن تكون أختها قد ماتت إذ تنتظرها حياة أشبه بالجحيم إن هي عادت إلى البيت.
يستعمل والد هيا أسلوب الترهيب على والدتها أيضاً، ويهدّدها بأنه سيقتل ابنتها الثانية (هيا) إن هي أفشت بأي شيء للأطباء أو الناس “أمي خاضعة لأبي وما بيطلع بأيدها شي” لم تستطع هيا الخروج من البيت منذ سنة إلا إلى المشفى إثر كل محاولة انتحار، فهي محتجزة في المنزل، ولا توجد أية وسيلة اتصال، حاولتُ تهدئة الفتاة، ونصحتُها أن تبدأ الدراسة في البيت حتى تنسى ما حدث.
ربما تورطت فعلاً بقصة هيا، لم أستطع أن أتدخّل أكثر خوفاً من والد الفتاة، وعدتُّها أن يبقى الموضوع سراً بيننا ونصحتها بأن تهدّد والدها بأن هناك من سيبلغ عنه إن هو أقدم على إيذائها بشكل كبير، اصطحبت هيا إلى والدتها ونصحت الوالدة بأن تبقى بجانبها، وبأنها مسؤوليتها أمام الله، وتمنيتُ لو أنّي لم أتورّط في مشكلة أكبر وأكثر تعقيداَ من أن أحلها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث