الرئيسية / Uncategorized / الأبدية.. شرط المستبد كي يبقى ولو لعام واحد البقاء حيّاً تحت الألم المُميت هو معجزة المستبد

الأبدية.. شرط المستبد كي يبقى ولو لعام واحد البقاء حيّاً تحت الألم المُميت هو معجزة المستبد

تأتي الجرّافة التي تكوم الجثث، وقصة طفل المعتقل التي أخرجت كفيلم، بعد صور مقتل أكثر من 11,000 شخص تحت التعذيب.
علينا أن نتساءل إذا كان الحاكمُ المستبدُّ برمزه السجّان، يروّض الناس عن طريق تخويفهم من التعذيب والسجن والإعدام السياسي، في اللحظة التي يتجاوز فيها هؤلاء عتبة الخوف، إذا استمرّ السجّان في هذه العملية، نقول إنه يريد أن ينتقم، ولكن إذا كان الانتقام الذي يمارسه عن طريق عملية التعذيب الطويلةـ يتطلّب منه وقتاً طويلاً، كان من الممكن أن يختصره بالقتل أو الإعدام السريع بطريقة شنيعة مثلاً، لماذا يطيل؟
إنه السؤال التالي: لماذا الجرافة علانيةً، تجرفُ جُثثَ القتلى؟ لماذا التعذيب حتى الموت وتشويه السجين قبل موته ببطء؟ ونشر الصور التي توثّق ذلك؟ لماذا تُغتصب امرأةٌ في السجن، وتُحبل، ثم يأتون بمَن يولّدها، ثم يقدّمون الطعام لها ولابنها؟ 
لا يمكن أن نفترض أنها الوحشية، أو الانتقام، أو أو .. لسبب بسيط، لأن الزّمن الذي تتطلّبه هذه العمليات هو زمنٌ يحتاجه السجّان كي يدافع عن نفسه من الثائرين الذين يهددونه بشدة، الذين انتقلوا من الكمون إلى الفعل العنفي المقابل.
التأسيس للأبدية
إنَّ الطرحَ الاستبداديَّ كما بدا لنا في تجارب الدول العربية، وكوريا الشمالية، وكوبا، وغيرها يقوم على فكرة الأبدية. القائد للأبد. لكن إذا كان هذا القائد يعرف أنه سيموت، فالأبدية هنا لا تعني تخليدَهُ كرمز فقط، أو أن يأتي ابنه أو حفيده من بعده فقط، أو يستمرُّ حزبُه في الحكم فقط، إنها تؤسّس لغموضٍ موازٍ لغموض الموت. حيث إن كلاً من الموت والأبدية شيئان لا يمكن لنا أن نختبرهما، وبالتالي لا يمكن أن نخضعهما للحدس، ليظهرا أمام وعينا، كحالات مفارقة وقاهرة، لا يمكن العودة منها لإخبار الناس كيف كانت تجربة الموت أو الخلود مثلاً؟؟
لكن كي تتحققَ حالةُ الغموض هذه، لا يمكن الاكتفاء بالإعلان عن خلود القائد. فالموت حدث قبل أن يكون إعلاناً، أمّا الأبدية فإنها على العكس إعلانٌ قبل أن تكون حدثاً. فإذا كان الموت بحاجة إلى الإخبار عنه وتصوّره، فإن الأبدية بحاجة إلى حدث يجسّد صورتها.
 السلالة الملكية مثلاً تجسّد هذه الأبدية، وما حدث في المعتقلات السورية من تعذيب مضنٍ يجسّد هذه الأبدية.
كيف؟
الموت تحت الألم لا معنى له، لكن الحياة تحت الألم هي المهم
ليس غريباً أبداً أن يكون السجن هو أهم رموز السلطة، ولاسيما تلك التي تحلم بالأبدية. 
يتم التعذيب البطيء للسجين، بحيث يتلذذ السجّان باستخلاص الألم منه حتى آخر نقطة إحساس في جسده، حينها يتركه يموت. السجّان الأمهرُ هو السجّان الذي يجعل فترة الحياة تحت الألم طويلة أكثر ما يمكن.
لأن الألم تجربة مشتركة وأولية، فإن تخيُّلَنا للتعذيب، سيولد في مخيلتنا حركة أشبه بالنَّمَل في اليد، إنه يمتدُّ عبر الزمن المستقبلي الذي نتوقعه، فتصبح رؤيتنا الخيالية للجسد، عبارة عن بساطٍ ممتدٍّ من النقاط المتجاورة، كل نقطة يخزُّها دبوسٌ بالتتابع، لتتحول إلى إحساس بالألم، وإلى إحساس أهم هو: انتظار دور النقطة التالية في اختبارها للألم.
إن الألم هو إحساس يمكن أن نسمّيَه: “متى” متى سينتهي؟. وإذا طال، يصبح: متى سأموت كي أرتاح؟ ولكن إذا طال أكثر من ذلك، يصبح هو الأبدية ذاتها. عندما يتم تعذيب 11000 شخص، فإننا نحن الأحياء والناجون، نصبح هذه النقاط الممتدة، التي تنتظر، وتستخلص دورها في الألم. هذه الجرائم، وهذا السلوك التعذيبي، يحوّلنا إلى نقطة بجوار نقاط، لا نعرف حدودنا إلا من خلال اقتراب أو ابتعاد الألم. 
طفل المعتقل يُجسّد أبدية السّجّان
عندما اُغتُصِبَتْ هذه السجينة، وحبلت، وولدت طفلاً، ثم عاش في الزنزانة دون أن يخرج منها، دون أن يمتلك أيّةَ صورة لشجرة أو عصفور (قصة ميشيل كيلو) هذا الطفل هو تجسيد للأبدية التي يريدها السجّان. لماذا لم تُجهَض هذه المرأة؟ لماذا يصرف على إطعام الطفل في السجن؟ فقط كي تتجسد حالة الأبدية هذه. إنه طفل حيٌّ وُلِدَ تحت التعذيب، واستمرّ في الحياة تحت التعذيب، الذي يجسّده السجن.
يريد السجّان أن تظل قادراً على الإحساس بالألم، لا كي تخضع، لأن الخضوع يتحقق بالقتل والإعدام، بل كي تمتلك الحدس بالأبدية. 
لا بد من أن نفهم أن الولادة هي جزءٌ من الموت لا من الأبدية، الأبدية لا ولادة فيها. هي استمرار للذات الواحدة. الألم يرتبط بالموت (برؤية فرويدية) الجرح، الكسر، المرض، القلق، … كلها تعبيرات عن الموت. وكذلك ألم الولادة حيث التمزُّق والانفصال عن الأم… الأبدية ننتظرها كي تخلصنا من هذا الألم، لكنها كما قلت في البداية، هي كائن خبري في المقام الأول، وليس حدثياً أولاً. لذا كي يحققها السجان عليه أن يمنحَها أثراً واقعياً أو يمنحها طابعَ حدثٍ. الطريقة التي اختارتها ديكتاتوريات هذه المنطقة، هي الألم.
محاولة المعجزة
أن تظل حيّاً تحت الألم أطول فترة ممكنة، أن يشعر الآخرون أنهم مجرّد منتظرين في طابور طويل، قبل دخولهم إلى دورة الألم، هي ما يؤسس هذه الخبرة بالأبدية؛ حيث ترتبط بخبرة الموت دون أن يتحقق الموت. فهنا يتم استعارة حدث الموت كي ينزل مكانَهُ إحساسُ الأبدية. لذا تبقى إلى الأبد أبدية المستبد هي احتلال لخبرة الموت في وعي الإنسان. وليست أبداً الموت نفسه أو خبرة الموت نفسها، إنها استعارة هذه الخبرة لمصلحة الأبدية.
أخيراً، ترتبط الأبدية في خطابها بالإعجاز، لذا يتكامل البقاء حيّاً تحت الألم مع هذا الإعجاز. ويظهر المستبد في لاوعينا كصاحب معجزة. لذا نجد أن أحد الأمثلة الشعبية في منطقة بلاد الشام تقول ” أبعد الله عنك الظلام والحُكّام”. إنها تدعو لابنها ألّا يلتقي بحاكم، إنّه مثل مضاد تماماً للروح الثورية في الشعب، تأسس عميقاً في اللاوعي الشعبي، نتيجة الإحساس بأبدية هذا الحاكم الذي لا أمل ـ كما في المثل ـ لرحيله، لذا يفضّل أن تبتعد عنه أنت.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *