غريب ميرزا – صدى الشام
” والتاريخ ما فتئ يُعلّمنا،
ليس فقط أن الخطابَ هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نتصارع من
أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها” ميشيل فوكو
سمعت راقصة شرقية (تعمل في
النوادي الليلية، لا الرقص كَفَنٍّ) تقول على التلفاز: إن مهنتها مهنة شريفة، وإن
الشرف المتعلق بجسد المرأة، كونها تمارس الرقص، لا يعني أنها لوّثت شرفها، فهي
طاهرة. دعونا نضخم خطاب هذه الراقصة بطريقة تقليدية ورجعية أيضاً. ضمن تقاليدنا،
العاهرة هي كائن ضد الشرف بشكل كامل، لنتخيل أن عاهرة خرجت على التلفاز، وقالت
إنها شريفة! وليس كلُّ العاهرات عاهرات!
ثلاثة خطابات
إذا قرأنا الحرب السورية
حالياً، فنحن أمام ثلاثة خطابات تتكلم باسم الحرب.
الخطاب الأول هو خطاب
النظام: يتألف خطابُ النظام من المفاهيم التالية: مكافحة الإرهاب، الكرامة الوطنية
(وتكتسب معناها من الحفاظ على القرار الوطني، كما يدعى، من التدخل الخارجي)، الحق
(ويكتسب معناه من المفهوم القومي لحزب البعث، والرغبة الضمنية في محاربة دولة
اسرائيل، المعول عليها في اللاوعي الشعبي، التي تكرست من خلال التربية، فيصبح الحق
السوري الذي يمثله النظام، هو حق مُشتق من محاربة اسرائيل المفترضة) وهو معنيٌّ
بالحفاظ على هذا الحق والدفاع عنه، في وجه الذين يدعمون إسرائيل برأيه، وهم أعداؤه
طبعاً. لذا لا نستغرب إن كان حزب الله وإيران، لهما دورٌ ميداني في الحرب السورية،
لأنهما يكتسبان الحق، من المصدر ذاته: محاربة إسرائيل.
الخطاب الثاني هو خطاب
المعارضة السورية: يتألف من المفاهيم التالية: الحرية (وتكتسب معناها من الإطاحة
بالنظام السياسي القائم فقط، فأولى المظاهرات التي خرجت في سوريا، كانت تطرح شعار
الحرية مقابل اسم بشار الأسد)، الانتقام كشكل للعدالة (حيث المطالبة بالقصاص من
الذين ارتكبوا الجرائم الأولى، مثل تعذيب الأطفال في درعا، ومن ثم الجرائم الأخرى
مثل قتل المتظاهرين برأي المعارضة)
الخطاب الثالث هو الخطاب
العالمي اللاسياسي، المدني، ويتألف من مفهوم أساسي هو الحرب السِّنّية الشيعية، أو
بشكل أعم قليلاً وإن كان أقل دقة: حرب إسلامية داخلية أو حرب أقليات مع أكثرية.
هذه الحرب أو الاضطرابات تمتدُّ على العديد من الدول الإسلامية اليوم، وتشكل خطراً
على العالم كله. هل تكون الحرب العالمية الثالثة هي حرب شيعية سنية؟ تأتي مشروعية
هذا الخطاب من الرؤية لاتساع هذه الحرب، دون التحديد في بقعة سياسية وحيدة، لذا
تكتسب مصداقية علمية، ومن جهة أخرى تكتسب مشروعيتها من الإعلان الإسلامي المسلح
بشقيه :السّنّي المتمثل بالتيارات الإسلامية المسلحة في سوريا مثلاً، والشيعي
المتمثل بحزب الله وإيران.
عين الطائر والرأس المدفون
في الرمل
لنحلّل الخطابات السابقة
بجدول بسيط
|
النظام السوري |
المعارضة السورية |
الخطاب العالمي |
|
الكرامة . مكافحة الإرهاب ـ الحق |
الحرية السياسية ـ العدالة الانتقامية |
الحرب السنية الشيعية شبه العالمية |
|
العالم كله تقريباً (النظام يستخدم عبارة المؤامرة |
العالم بمعظمه لا يقدم الدعم الكافي للشعب السوري، |
كيف يتفاعل العالم مع هذه الحرب؟ كيف يتأثر؟ يوقفها؟ |
|
تشكل سوريا تمركزاً لاهتمام العالم، بالنظر إليها مباشرة |
تشكل سوريا تمركزاً سلبياً لاهتمام العالم، حيث تشكل |
العالم أمام خطر |
|
الأدوات الخطابية هي الأدوات العسكرية |
الأدوات الخطابية هي الأدوات العسكرية |
الأدوات معقدة لكنها غالباً تنحو عكس العسكرة |
إن اختزال الأدوات والخطاب،
تجعلنا نبدو عندما نتناول القضية السورية، كمن يدفن رأسه في الرمل. فالعالم
السياسي، صحيح منطقياً من وجهتي نظر النظام والمعارضة، ما يمنحه هذا الصدق، هو
الرؤية الضيقة، التي تحيل في خطابها إلى الضمير الإنساني. ولكن أليس الضمير المخاطب
في كلّ من الخطابين، هو كائن عالمي؟ يتخذ شكل قاضٍ؟ إن الأدوات البسيطة (العسكرية)
تجعل الخصمين أشبه ما يكون بأطفال أمام القاضي العالمي، ولا سيما أن الخطاب يوجّه
له. وهذه الفجوة بين الضمير وبين الأدوات من جهة، وبين السوري “الصغير
المساحة” وبين العالم الذي هو “الكل” ينفلت الخطاب ليس كأداة حقيقة،
أو صدق واقعي، لأن هذا مستحيل ضمن هذه الفجوة. بل كضرورة ل
تشكيل وإعادة تشكيل الضمير
العالمي من جهة، ومن جهة اخرى كمكان مطلق لا يمكن أن نرى فيه اليمين من اليسار، أو
الكذب من الصدق. إن الكذب أو اللاكذب أشياء لا معنى لها في امتداد الخطاب السوري
(أو من في حكمه) ضمن الفجوة السابقة.
إذ أن كلاً من المعارضة
والنظام ينظران إلى العالم بالطريقة السابقة، وبشكل متعاكس، وهذا ما يمنح خطابهما
وجوداً مع الحرب القائمة. لكن السؤال هو: إذا كانت الرؤية للعالم، والعسكرة تضمن
التضاد بين الطرفين كما هو واضح، فهل القيم المذكورة تتضاد مع بعضها أيضاً؟
طبعاً لا، إن كل من هذه
القيم بشكل عام ومجرد لا تتضاد مع الآخر، كما قلنا في المقالة السابقة، ولكن
التضاد يكمن في القضية التالية.
الحدث والخطاب
سأستخدم هنا مصطلحات فوكو،
مع أخذها إلى مكان آخر نوعاً ما.
ما يحدث هنا، هو الحرب
وجميع تفاصيلها اللانهائية، من الأفكار، الغايات، الدوافع النفسية، المصالح،
الاتفاقات السرية، طبيعة الوظائف العسكرية، طبيعة الأيديولوجيات، إلخ … إذاً:
الحدث الجاري الذي يحدث في كل لحظة، الآن وهنا، والذي يستدعي التاريخ الحقيقي، أو
الأسطوري، ويستدعي التأريخ، وصراعات التأريخات، ويستدعي المستقبل وصراع
اليوتوبيات.
هذا الحدث في كلّ لحظة يكون
هكذا، كتلة لا نهائية الضخامة والتمدُّد. هذا الحدث لن يكون، كما قلنا في المقالة
السابقة ـ لولا الخطاب (طبعاً بالمقابل لا خطاب من غير حدث) الخطاب الآن بعكس
الحدث، لا يكون دفعة واحدة، إنه سلسلة من الحلقات. إنه يكون فقط بأن يظهر على
دفعات متتالية. لا يمكن لأي لسان أن يقول كل شيء بكلمة واحدة، إنّ كلمة واحدة ولفظاً
واحداً، وحركة واحدة من اللسان إذا كانت
(كالصراخ مثلاً) هي حدث لا خطاب. الخطاب بكينونته مجزَّأ، يظهر مجزأً.
إذاً: الحدث والخطاب لا
يمكن أن يكون أحدهما دون الآخر، إنهما استدعاء مباشر، وليسا طرفي جدلية. وما يمكن
أن يكون حدثاً، يمكن أن يكون أيضاً خطاباً، والعكس بالعكس. ولكن ما يجعل هذا الشيء
حدثاً أو خطاباً هو الفرق بين: الكلية الحضور المباشر (حدث) وبين التجزؤ (خطاب).
وهكذا لا يمكن أن نعرف شيئاً باعتباره حدثاً أو خطاباً، يمكن فقط أن نقيس الفرق
بين الاثنين، بين التجزّؤ والكلية.
لذا يجب أن يتم التمييز بين
حالة الحدث، وحالة الخطاب. ولهذا لا نتفاجأ إذا وجدنا أن الحدث لا يملك بنية
تناقضية: ما يحدث يحدث ولا معنى للتناقض فيه نهائياً. أمّا الخطاب فلأنه مجزأ، ولا
يخرج إلا بشكل دفعات، فإنه يحمل معه التناقض أو التفاوت (إذا استخدمنا مفهوم نيتشه
بدل التناقض) حيث يختلف ترتيب الأجزاء التي ستخرج لتشكل (حدث – خطاب) اختلاف
الترتيب هذا، هو ما يظهر بشكل تناقض، وهو بالتالي ما يمنح الحرب معناها.
طبيعة الحرب مضمونة بسبب
الفرق بين الحدث والخطاب:
لنقم بتجربة فكرية لطيفة.
نبدأ بسؤال كيف يمكننا أن ننهي الحرب في العالم؟ تخيّل أنك تملك عصا سحرية مثلاً
(هذا السؤال طرح في إحدى الجامعات، في مسابقة ) يمكن أن نضع مجموعة من الترتيبات:
البشر لا يصابون بالجوع، لا
يحتاجون للطعام.
البشر لا يصابون بالمرض أو
الألم، يموتون بعد عمر معين.
توجد مساحة لامتناهية
الاتساع يمكن أن يسكن فيها الإنسان، الفضاء كله مثلاً، وجميع الإمكانيات ومصادر
الطاقة متوفرة فيه.
وهناك قائمة تطول ، ولكن
أعتقد تبعاً للتحليل السابق، أن الحرب لا تنتهي في حال تَحقّق جميع هذه الشروط،
لأن سببها أو فاعليتها العميقة هي : الفرق بين الحدث والخطاب.
على سبيل المثال: لنأخذ
الاتساع الكبير في المساحة، أصبح الإنسان يستطيع أن يسكن أي مكان من الفضاء. حسناً:
المسلمون من الممكن أن يتقاتلوا على الكعبة ذات المساحة الضيقة، (من يجب أن يكون
سادنها؟) أو على المسجد الأقصى مع إسرائيل. لأن كلاً من هاتين المساحتين، يملكان
قيمة، هذه القيمة مشكلاً خطابياً.
هذا المثل يبين كيف أن
الرؤية المزدوجة لـ (حدث – خطاب) ضرورية لفهم الحرب فهماً عميقاً. وهكذا يبدو أنّ
الحربَ شيءٌ لا يمكن دراسته في الأخلاق، أو علم الاجتماع، أو من حيث ارتباطه
بالطبيعة البشرية، إنّه يحتاج إلى رؤية أخرى، قد تؤدي إلى تشكيل (كائن جديد)، مسخ
خارج الخطاب العلمي (الحدث) المعترف فيه، حسب لفظ فوكو (المسخ).
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث