الرئيسية / منوعات / منوع / الثورة وقضايا المرأة السورية

الثورة وقضايا المرأة السورية

عمّار الأحمد/

كما أنّ المرأةَ جزءٌ من المجتمع، كذلك قضاياها جزءٌ من قضايا المجتمع. أزمات المجتمع، ومنها المتعلقة بالمرأة، كانت من أسباب مشاركة المرأة بالثورة.

 وحلُّ تلك القضايا غير ممكن خارج تحقيق أهداف الثورة، أي في إطار دولة علمانية حديثة؛ أساسها دستورٌ يساوي بين المواطنين نساءً ورجالاً، على أساس مبدأ المواطنة، حيث الحقوق والواجبات متساوية ولا تفاضل بين الرجل والمرأة، فهي مساوية له في الدستور وفي القوانين المنبثقة عنه، ومنها قوانين الأحوال الشخصية.
 وهذا يتطلب سيادة أحوال مدنية للمواطنين كافة، وإبقاء الأحوال الشخصية الطائفية والمتعددة بتعدد الطوائف الرئيسية كاختيار خاص بالأفراد، ولكن كذلك بعيداً عن الدستور والقوانين السارية في الدولة.
النظام الذي يقال عنه أنّه علمانيٌ، لم يساوِ بين المرأة والرجل في الدستور ولا في القوانين، بل شرّع للذكر الحق الحصري بقتل المرأة إن وجدها مذنبة! ووقف رجال الدين إلى جانب ذلك، عدا عن أن المجتمع بمؤسساته والأحزاب السياسية كافة فيه لم تخض أية معركة من أجل ذلك، ليتكرّس لدينا ما هو مكرّسٌ عبر آلاف السنين؛ وبالتالي السلطة كرّست المكرس.
 وهذا يفيد في تأبيد نفسها وعدم خوض أية معركة مع المجتمع المحلي، ليصبح النظامُ الحاكمُ هو نظام تمييزي ضد المرأة كما هو نظام شمولي ضد أي ملمح للتحول الديمقراطي، وبالتالي البدء بطرح مشكلات المجتمع ومنها قضايا المرأة. الثورة بدورها لم تنصف المرأة كما أنها لم تنصف ذاتها، فبقيت عفوية وفوضوية، ودفع الثوريون رجالاً ونساءً أثماناً لا تقدر، ولا تعوّض في سبيل نجاحها، ولا تزال معركتهم من أجل مستقبل أفضل لكل السوريين قائمة.
جميع المنظمات الفاعلة من أجل المرأة، القديمة منها والمشكلة حديثاً، باستثناء بعض المنظمات الإسلامية، كلها تصرّ على ما أشرنا إليه أعلاه، وبالتالي يقف السوريون أمام معادلة دقيقة في العلاقة بين الرجل والمرأة، فإمّا علاقة مساواة قانونية والبدء بتطوير هذه العلاقة، وإمّا علاقة عدم مساواة والحفاظ على ما كرّسه النظام، وما ورثه المجتمع من العصور السالفة؛ ويقع إزاء ذلك على قوى الثورة، وليس المنظمات النسائية فقط، طرحَ قضية المرأة ومساواتها بالرجل كقضية من قضايا الثورة.
 تعقّد مشكلات الثورة وتعثر انتصارها، يستدعي، وبقوة طرح قضايا المرأة والقضايا الاجتماعية والاقتصادية للناس، وإن تغييب هذه القضايا كان كارثياً على الثورة، وهو ما سمح بدفع الثورة نحو قضايا ليست منها، أي طرح رؤى دينية في صفوفها، وسمح بدخول قوى طائفية دعمها النظام ودول إقليمية لتدمير الثورة وتشويه سمعتها، والحدُّ من الميل الشعبي الثوري لها، أي منعها من أن تتجذّر كثورة من أجل تغيير النظام على المستويات كافة ولمصلحة السوريين كافة ، فحُوصرت الثورة بقضية إسقاط النظام كقوى أمنية ولاحقاً صار الصراع العسكري هو الثورة، ليخرج الشعب بأكمله منها، وليكرّس عمل المعارضة في دعم الصراع العسكري، والبحث دولياً وإقليمياً عبر التفاوض لتغيير الشكل الشمولي للسلطة إلى شكلٍ جديد، من النظام ومن المعارضة.
اتفاق يلغي كلَّ قضايا الثورة الجذرية، بدءاً من نظام ديمقراطي يتيحُ المجال للناس بالتعبير عن كل حقوقها، وانتهاء بطرح قضايا البطالة ومشكلات الفلاحين والتعليم والطبابة والسكن، واعتماد استراتيجية وطنية لحلِّ المشكلات.
أبرز مشكلات المرأة والتي يتحمل وجودها النظام، هي التمييز بين الرجل والمرأة من خلال الدستور؛ فباعتماد الدستور على الشريعة، أُوْجِد ذلك التمييز، ومنه انسلت القوانين، ولا سيما قوانين العقوبات وقوانين الأحوال الشخصية وقوانين الجنسية، وتكرّس واقعٌ كارثيٌّ بحقِّ المرأة: يبدأ بعدم مساواتها أمام المحاكم الشريعة، وفي الإرث، وغياب العقاب لتزويجها بسنٍّ مبكرة، والسماح بقتلها كون القانون وحتى بعد تعديله بقي يسمح للذكر من العائلة بقتلها بحجة الدفاع عن الشرف، عدا عن قضية مهينة بالكامل للمجتمع وليس للمرأة فقط، وهو منع المرأة من إعطاء زوجها وأولادها الحق في جنسيتها.
القوى المجتمعية والإسلامية والمسيحية وتفريعاتها، تعزّز بتبنيها قوانين أحوال شخصية طائفية التفتت المجتمعي وحالة التهميش للمرأة. حل هذه القضية يتمُّ برفض كل أحوال شخصية طائفية واعتماد أحوال شخصية مدنية، وإبقاء الطائفي منها مسألة خارج مؤسسات الدولة.
الثورة التي أُربكت، وكانت عفوية، يقع عليها وهي من رأت مشكلاتها بعمق، وكلامنا للقوى الثورية والسياسية الجادة والراغبة بإحداث تغيير مجتمعي عميق، أقول هذه الثورة، إمّا أن تندفع نحو طرح حداثي، كما أشرنا إليه لقضايا المرأة، وتخوضُ صراعاً سياسياً ومجتمعياً، من أجل تكريس تمايز حقيقي عن سوريا ما قبل الثورة، وإمّا فإنّنا وبوضوح، نقول تكمّل ممارسات النظام، وتؤبد نظرته الدونية والذكورية للمرأة، وبالتالي تخون نفسها؛ القوى الثورية معنية وهي تقترب من عامها الرابع، من الانتصار للمساواة بين الرجل والمرأة، وطرح المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وأن تُطرح المشكلات السياسية من زاوية الدولة العلمانية الحديثة وتحييد الدولة عن الأديان، لكي تكون بالفعل قوى ثورية.
الثورة إمّا أن تتجاوز رؤية النظام، وممارساته التمييزية والإفقارية والشمولية، وبالتالي تتبنّى رؤية مواطنية، وتدافع عن المفقرين وتكرس قيمَ الدّيمقراطية والحريات والحقوق، وإمّا فهي وجه من وجوه الثورة المضادة، وتؤبّد النظام الشمولي بحجة مناهضته.
المنظمات النسائية معنية بالخروج عن قصورها في طرح قضايا المرأة ومحاولة تمييزها، وكأنّها ليست جزءاً من قضايا المجتمع. هناك قضايا تخص المرأة فعلاً، وأشرنا لبعضها أعلاه، ولكنها تظل جزءاً من مشكلات المجتمع ككل، وبالتالي قضايا المرأة تُطرح ضمن برنامج كليّ لقضايا المجتمع؛ أي ضمن قضايا الثورة، وبرنامجها العام في التغيير المجتمعي الكامل.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *