رانيا مصطفى
فصَلَ الأخضر الإبراهيمي مفاوضات جنيف إلى مسارين رئيسيين متلازمين، حسب تعبيره؛ الأول وقف القتال، والثاني المرحلة الانتقالية.
النظام السوري يقول بالأول، ويتجنّب الخوض في الثاني؛ فالحديث عن وقف القتال، وهو ما يسميه مكافحة الإرهاب، هو مجال واسع بالنسبة له للمماطلة والالتفاف، وإضاعة الوقت، تجنباً للخوض في المسار الثاني المتعلق بتشكيل حكومة انتقالية، أي إنهاء أي دور للأسد وعائلته في السلطة. روسيا كانت شريكة في صناعة جنيف1، أي هي موافقة على مبدأ تشكيل حكومة انتقالية؛ الآن هي تساند النظام في مماطلته وتسويفه.
بالتأكيد هي غير متمسكة بعائلة الأسد، ولكنها لم تتفق بعد مع الأمريكان والغرب على تفاصيل المرحلة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بمصير الجيش النظامي والجيش الحر، وكيف سيتم تشكيل جيش “وطني” جديد، لحفظ الأمن، أو بالأحرى لقمع أيِّ احتجاجات جديدة.
على الأرض، تمكّن النظام من التهدئة ووقف القتال في برزة قبل بدء مؤتمر جنيف2، وكذلك يفعل في القابون وحرستا والمعضمية واليرموك، وكان قد أعلن قبل الذهاب إلى جنيف أنه ينوي إجراء هدنة وتهدئة في حلب، وهو بالفعل يسعى إلى ذلك، ولكن عبر إجبار الجيش الحر فيها والكتائب الإسلامية على ذلك، لذلك هو يصعد من عملياته العسكرية فيها، ويمطرها بالبراميل المتفجرة، في الوقت ذاته الذي تنهِك داعش الجيش الحر فيها، مسانِدةً النظامَ في مسعاه هذا. وهو فعل المثل في داريا وفي عدة مناطق من الريف الدمشقي، ومؤخراً يقصف يبرود، تلك المناطق رفضت التهدئة وفق شروطه، وهو يسعى إلى فرضها تحت التهديد باقتحامها من الكتائب الشيعية الموالية له، والمرابطة على تخومها.
يبدو أنها استراتيجية جديدة يقوم بها النظام، وبدعم من روسيا، وبالاعتماد على ما تبقّى من قوة جيشه النظامي وجيش الدفاع الوطني الملحق به، وعلى كتائب طائفية شيعية من العراق ولبنان، وعلى داعش، وبدعم وتنسيق إيراني لا محدود؛ هذه الاستراتيجية تقوم على أن يهدئ الوضع بنفسه، عبر هدن منفصلة في المناطق المشتعلة، خاصة في دمشق وحلب، لطمأنة الروس على قدرته على إعادة الأمن والاستقرار مجدداً، وذلك لضمان الفيتو الروسي على قرار يدينه في مجلس الأمن، ويفرض التغيير عليه بالقوة وتحت الفصل السابع، في حال تم التصعيد الدولي الجدي ضد النظام، ورُفِعت القضية إلى مجلس الأمن مجدداً. فروسيا حصلت على العديد من عقود الاستثمارات للنفط وغيره، وهي تتطلع إلى المزيد منها، في حال أوقف القتال، خاصة فيما يتعلق بإعادة الإعمار؛ وبالتالي هي تريد التهدئة، وتفضل أن يتم ذلك على يد النظام. وبالتالي بات النظام اليوم في سباق مع الوقت، بين عملياته العسكرية على الأرض لإجبار المناطق الثائرة على التهدئة، وبين قدرته على التسويف والمماطلة خلال جولات مؤتمر جنيف2، والتي قد تتجدد مراراً، نتيجة عدم وجود الإرادة الروسية للتغيير حالياً.
هي فرصة روسية أخيرة تعطى للنظام، وبدعم كبير منها، وباستمرار تأمين غطاء دولي على جرائم الحرب، التي تتحدث عنها المنظمات الإنسانية، وتملك أدلة وبراهين عليها. وبالتالي بات التغيير أو عدمه، مرتبطاً بنجاح النظام في فرض التهدئة، هذا ما لم يتحقق حتى الآن سوى في بعض المناطق، بسبب خصوصية لها.
هنا يبدو واضحاً مشكلة تشتت قوى الثورة المقاتلة على الأرض، ومناطقيتها، وعدم وجود استراتيجية قتالية وتنسيق عسكري بين تلك المناطق. والمشكلة الأساسية هي عدم تشكل حامل سياسي للثورة، يوجه العمل العسكري، ويمنع تفككه وتحكم الدول الإقليمية في كتائبه المختلفة. المعارضة التي تقول بتمثيل الشعب والثورة في جنيف عجزت عن أخذ دور الحامل السياسي للثورة، وفي الواقع هي تمثل الدول الداعمة لها؛ تلك الدول هي من يتحكم بها بالكامل، وهذا ما بدا واضحاً في حجم التدخلات في تفاصيل ومهمات وتحديد الأشخاص في الوفد المشارك في جنيف2، بين جولتيه الأولى والثانية.
يبدو النظام منتهي الصلاحية بالنسبة للجميع، وعاجزاً عن الإقناع، ولكنه يعتاش على مشكلات الثورة هذه، والتي تتحمّلُ المعارضة جزءاً كبيراً منها، وهو ينازع نهايته في غرفة الإنعاش الروسية، ويتسبب في فقدان المزيد من الضحايا، عبر براميله وعملياته العسكرية التي يموت فيها مقاتلون من معارضيه ومواليه على السواء، وقد فاق هذا العدد الـ 4000 ضحية منذ بدأت المفاوضات في 22 الشهر الفائت، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، ثلثهم مدنيون.
ولا نعلم طول المدة الممنوحة من روسيا للنظام، قبل أن تفقد الأمل من قدرته على فرض الأمن، وتنعي نهايته؛ ولكن بموازاة ذلك يتفاقم خطر المجموعات المتطرفة في الداخل السوري، وفي دول الجوار، خاصة تلك المرتبطة بالقاعدة، داعش والنصرة، ما ينبئ بخطر إطالة أمد الصراع كثيراً، دون أن ننسى الضغوط الأمريكية على روسيا والنظام، والتي لا أعتقد أنها ستقبل بترك المسألة حتى يتم التمديد لرئيس النظام في حزيران المقبل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث