ثائر الزعزوع
منذ فترة طويلة انقطع مثل هذا الإعلان الذي كانت تطالعنا به الفضائيات على مختلف ميولها ومشاربها لا لعسكريين ومقاتلين، بل لإعلاميين كانوا جزءاً من مؤسسة النظام الإعلامية، ثم غادروها بعد أن تبينوا الخيط الأسود من الخيط الأبيض، وعرفوا أن بقاءهم ضمن تلك الماكينة الإعلامية الملوّثة بالدماء سيجلب العار عليهم، وعلى أبنائهم.
مذيعون وصحفيون ومخرجون وفنيون، التحق كثير منهم بعد انشقاقهم بالمؤسسات العاملة في فلك الثورة، وعملوا على محاربة النظام بما يملكونه من وسائل، وقد أفلح الكثيرون منهم في كشف المستور، فقدّموا شهادات عن نوعية الإعلام الذي يديره النظام، وعن الأوامر العسكرية المباشرة التي كانت تصدر من الفروع الأمنية، وعن عمران الزعبي، وعدنان محمود، وفلان وفلان، ولعلّ شهاداتهم تشكل بحقٍّ ملفاً دسماً ينبغي دراسته بإمعان للوصول إلى معرفة الطريقة المناسبة لتفكيك هذه الماكينة، ودحض أكاذيبها، لا بالولولة والنُّواح كما فعل كثيرون، ولكن بالحقائق، والمستندات، صحيح أن لا شيء يمكن أن يتغير على الأرض، ولكنّ المستقبل كفيل بقلب الطاولة، وساعتها لابد أن يكون ثمة حساب حقيقي لكلِّ من تورّط في تشويه صورة السوريين، وتحويلهم إلى أدوات رخيصة في عجلة الديكتاتور.
لكنّ الكثيرين من أولئك المنشقين وجدوا أنفسهم بعد أشهر قليلة من إعلان انشقاقهم أمام واقع مؤلم يشبه إلى حدٍّ ما المثل الشعبي: من تحت الدلف لتحت المزراب.
فالمؤسسات الإعلامية التي استبشروا فيها خيراً، ووجدوا فيها متنفساً للثورة الكامنة في صدورهم، لم تكن سوى تقليد لتلك المؤسسات التي ثاروا عليها، السياسات الإعلامية نفسها، المحسوبية، والوساطات نفسها وتأليه الأشخاص نفسه، لم يتغير شيء، وجدوا أنفسهم يبحثون عن ثورة جديدة، لكن هذه المرة على الثورة نفسها، ففرُّوا… العديد منهم انزوى، واكتفى ببوست على الفيسبوك أو تدوينة على تويتر يؤكد فيها أنه ما زال متمسكاً بالثورة.
للأسف، لم يحدث هذا الأمر في قناة واحدة فحسب، بل حدث في ثلاث قنوات على الأقل، فقد حوّل مالك إحدى القنوات الفضائية قناته إلى مدافع شرس عن تنظيم داعش وتبرأ عبر شريطه الإخباري من إعلامي أو أكثر بسبب مواقفهم المناوئة لداعش، وأما القناة الأخرى فقد حولها مديرها العام إلى مرتع له ولبطانته الفاسدة التي خصصت جزءاً كبيراً من وقتها لامتداح إطلالته على الشاشة، وشغفه بتوجيه النصائح وكأنه قائد الثورة الحقيقي الملهم، ولولا بعض الحياء لألفوا في مديحه قصائد وأغنيات، فهو الوحيد الذي كان قادراً على زيادة مرتباتهم، بينما استغنى عن كل المهنيين الآخرين، واستعاض عنهم بأنصاف إعلاميين من هنا وهناك لتستمر حفلة التطبيل والتزمير لسيادته.
ولهذا، لم يعد غريباً أن يعلن الإعلاميون انشقاقهم عن قنوات الثورة، ولا أن يفضل مقدم برامج ناجح مغادرة الشاشة بسبب ما عاناه طيلة فترة عمله، أو أن تضطر مذيعة للعودة إلى سوريا وتعريض نفسها لخطر الاعتقال أو الملاحقة على أقل تقدير، وقد نقرأ تدوينة مكتوبة بألم: ما لأجل هذا خرجنا بالثورة.
نعم، يحدث كلُّ هذا على الهامش، دون أن ينظر إليه أحد، فالحكومة المؤقتة التي لم نعلم حتى هذه اللحظة ما هو عملها تحديداً أهملت فيما أهملت أن تشكل هيئة للإعلام، كي تشرف على أحوال الإعلام، وتقوم بالتنسيق معه لأجل إيصال صورة الثورة والمعارضة بطريقة لائقة، لكن لا حياة لمن تنادي.
هذا غيض من فيض، وقد أسرفنا على مدى الأشهر الماضية في الكتابة عن أحوال إعلام الثورة، وصولاً إلى إسقاط صفة الثورة عنه واعتباره إعلاماً معارضاً قادراً على انتقاد النظام، أو الحديث عن أخطائه دون خوف، ومناقشة مستقبل الحكومة، وهو أيضاً جريء في نقد المعارضة، بدءاً بالمجلس الوطني، مروراً بهيئة التنسيق وصولاً بطبيعة الحال إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وهو الائتلاف الذي لعنته بعضٌ من قنوات المعارضة منذ تشكله وحتى يوم ذهابه إلى جنيف، واعتبرته غير قادر على تمثيل الشعب السوري، وكأن تلك القنوات قادرة أصلاً على تمثيل الشعب السوري.
نعم، مرة أخرى، يحدث كل هذا على الهامش، فأية مطابخ تلك التي تدار فيها آلية عمل هذا الإعلام؟ ببساطة لا أحد يعلم، وما هي المفردات التي يوصى العاملون فيه باستخدامها، لا أحد يعلم، وإلى أن يعلم أحد، فنحن منتظرون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث