باحث سوري
إذا قصدنا بالثورة التغير الثوري لا الحراك الرافض بشقيه السلمي والمسلح، كيف تؤثّر القيم (الثقافية ) في كل فرد؟ في إحدى المقالات يسأل الكاتب، لماذا خرجت مظاهراتٌ في كلِّ العالم ضد الاحتلال الأمريكي للعراق باعتباره عملاً ظالماً، ولم تخرج هذه المظاهرات في العالم ضد ظلم النظام السوري؟
ماذا سيكون الجواب ياترى؟ بعيداً عن الأسباب التقنية، كدور الإعلام وغير ذلك… فربما كان يجب علينا أن نجد هذه المظاهرات العالمية، تخرج أيام الربيع العربي ضد أنظمة الحكم المستبدة، بعد الطفرة الإعلامية التي شهدناها في مواقع التواصل الاجتماعي.
إن أكثر جواب مقنع، برأيي، هو أن الحرب الأمريكية على العراق كانت تمسُّ جسدَ الحضارة الغربية بشكل مباشر: أمريكا من يشنُّ الحرب، لذلك شعر هذا الجسد بالخوف من انتهاك لقوانينه المقدسة، فانتفض ضدها.
أمّا الحرب السورية العنيفة جداً، فمهما اقتربت من جسده الخاص فإنها تبقى ضمن سور : الأمم المتحدة. وباعتبار أن الأمم المتحدة هي خليط أممي غير متجانس أبداً، فمن الطبيعي – على ما يبدو برأي هذا الجسد الغربي – أن تكون ضعيفة أو أن تعاني من نقاط ضعف، لذا عليها أن تواجه بعض الصعوبات الأساسية، مثل الحرب السورية. ولأنها منظمة، فنظام المظاهرات تافه معها، مادامت تعمل بشكل يحترم قانونها. ولن نرى المظاهرات إلا في حال انتهاك هذا القانون، كما رأينا في العراق.
لماذا علينا أن نسأل عن الغرب؟ ببساطة لأن القوة العسكرية بالحد الأدنى تأتي من الغرب، وفي حال الدعم العسكري للنظام السوري من الغرب، فلن نستطيع التكلُّم عن نصر أبداً. إذاً نحن نلاكم والحكم هو الغرب. لهذا نسأل، ولهذا علينا أن نقترب من جسده.
إن الكائنات الهزيلة لا تؤثر أبداً في الحركة العامة لأصحاب الأوزان الثقيلة. لذا سأجيب صاحب السؤال، بكل ألم: إننا في سوريا لم نقدّم إلا نموذجاً هزيلاً، ولا يجوز أبداً أن نقول إنها الثورة، والثورة في كل مكان بالعالم قامت على التغيير، ثم قامت بالاستقرار …وإن الإحساس العام يختلف بشدة عن العقلانية التي يستطيع أن ينادي بها من يجلس في برج عاجي.
أعتقد أن هذا الخطاب هو ما أدى إلى أن يسأل أحدُ الكُتّاب سؤاله السابق، بعد ثلاث سنوات من القتل. هذه السنوات الثلاث، أثبتت على ما يبدو أن لا أحد يمكنه إيقاف هذه الحرب إلا العالم كله. لذا تكلمنا عن جسد هزيل، إن انظمة المخابرات في العالم قادرة على تحطيم أي نظام وطني وديموقراطي وتنموي، وإن أية قوة عسكرية عالمية قادرة على قلب موازين القوى بسرعة. ونحن ننظر جميعاً إلى الأمم المتحدة، ومؤتمر جنيف. بجسدنا الهزيل لن نستطيع أن نهز العالم.
تغيّر نمط السلاح فقط
يمكننا أن نتخيل أن البارود يصنع في الصين، والرصاص يتم صناعته في دولة ثانية، ليصل إلى المخزن الذي يصنع في دولة ثالثة… هكذا إلى أن يصل إلى يد المقاتل، كأن مخزنَ السلاح فارغٌ دائماً، ولكنه يُملأ في كل لحظة بالطريقة العالمية هذه.
ولكن ربما لحسن الحظ، أن هذا الجسد العالمي أصبح يتحرك اليوم بالكثير من الأوزان، مليء بالامتدادات المتشابكة، لا يمكن أبداً أن نهز هذا العالم بالاعتماد على قضية عادلة، ولا بالاعتماد على (عمل واحد فقط كالقتال المسلح). بهذه الطريقة سنبدو من القرون الغابرة، بكل بساطة لقد تغير السلاح. لم يعد حتى هذا التسلسل من صناعة طلقة، أصبح صناعة الواقع برمته، بالآلة الإعلامية العملاقة والرأي العام. والتفاعلات الناعمة التي تحدث في صناديق الاقتراع ليس أبداً كذلك في الامتدادات الجامعية، (بمعنى فوكو) حيث تصنع الفكرة، وتصبح قابلة للاستهلاك، وبعدها ستتعرض للكثير من التحولات، فتشكّلُ الرأيَ العام، وربما القوة السياسية التي ستنادي بعقيدة أو تجادل ضد منظومة كاملة من أفكار معينة.
ضمن هذه الشبكة المتناهية، ألا تبدو عمليات الثوار في سوريا أو من يحلم بالتغيير الثوري، نحو تحقيق أحلامنا، أنها لا تؤثر أبداً في هذا الجسد العالمي.
النظرية الثقافية
إن النظام السوري والمعارضة كليهما، يقومان بالحركة نحو نقطة جذب وحيدة وهي: المعايير العالمية. فنرى النظام السوري يتكلم عن الإرهاب، والمعارضة تلمح حتى الآن تلميحاً بقيم الحرية والعدالة.
ولكن يبقى هذا التوجُّه الخاص بالاثنين كاذباً، ضمن المعايير العالمية نفسها، فنحن لا نجد سواء هنا أو هناك، أي شيء يدل على نسق فكري واضح، يدعم الرؤية نحو الحرية، أو الرؤية نحو مكافحة الإرهاب إلا عن طريق سلوك عملي يأخذ شكلاً عنفياً، من الممكن أن تضع أي سبب تشاء لتبرره.
إن البحيرة الفكرية فارغة تماماً، والأوز يتحول إلى زاحف فوق ترابها الجاف. وتتصارع هذه الزواحف، ربما على وقت غير معلوم، على فتات الخبز المستهلك، أو على استهلاك هذه المعايير العالمية، لتظفر بها أولاً. هذه هي النظرة المؤلمة التي تدمغنا عندما نرى التحارب الإعلامي السلبي، أي المقتات على بقايا القشور الجميلة التي يتطلبها العالم الحضاري كله، والتي بدونها لن نكون إلا خارج القشرة الأرضية. في حين أن أدواتنا عاجزة تماماً عن ممارسة أي دور في هذه الكرنفال الكوني، هذا الكرنفال الذي يتطلب كي تستطيع المشاركة فيه حركة قوية جداً، وقدرة كبيرة جداً على مقاومة تياره الجبار.
إن اغتيال شخص هي انتصار لطرف وجريمة لطرف آخر، وكذلك اقتحام مدينة هي انتصار وهزيمة، فهذه النسبية تأتي لكون أية عملية قتالية أو بحكمها، تحمل آثارها السلبية معها. لكن التفاعلات الفكرية العميقة هي انتصار لجميع الأطراف، لذا تأخذ قيمة الحوار الفكري، أو التواصلي، أهميته في المعايير العالمية.
افتقد النظام – وهذا أحد شوط بقائه – أي نموذج ثقافي، وحاربه بشدة، فمَنعَ أيّ تنظيم مدني من القيام بخطوة في هذا الاتجاه. ومن ناحية أخرى، فشل الجيل السياسي قبل انقلاب 1970 لحافظ الأسد، في أن يشكل أيّ نموذج ثقافي، قبل أن يتعرّض للقمع.
لقد كان فشله هو أحد الأسباب التي أدت إلى هذا الاستبداد، فنحن نجد في تلك الحقبة إلى التسعينيات، أن معظم الكتب في مجال علم الاجتماع هي كتب ماركسية، حتى أن الكثيرين من رُوّاد هذه الحركة الثقافية التي مقترنة بالسياسة، لم تكن تعلم بوجود نظريات أخرى في علم الاجتماع، كالتفاعلية والرمزية. بل عن كتب هذه المدارس غير متوفرة أصلاً. جميع رواد هذه الحركة (التي ارتبطت بجيل عمري معين) قرؤوا ماركس وغيره، ولكن قلة قليلة قرأت كتب هربرت ماركوز، وجميعهم شكلوا انتماءات فلسفية ذات طابع مزدوج: ديني أصولي/ اغترابي ماركسي. دون أن يطلع أحد على هنري برغسون مثلاً، الذي يوصف أنه من أعاد الميتافيزياء إلى الفلسفة الفرنسية. إن أي إحصاء للصادرات من كتب في سوريا قبل الـ 2000 يستطيع أن يحدد كيف كانت وجهة الثقافة حينها. وعند بداية الثورة كانت الأحلام التي تقودها هي أحلام الثورة البلشفية، أو الإسلامية التي يحلمون بها، والتي فشلت دائماً. دون أن يكون أحد منهم على اطلاع على الثورة الفرنسية في أيار 1968(ثورة الطلاب)
هذا ملخص فقط عن غياب أي نموذج ثقافي واضح، وقوي. فما بالك أن يكون أصيلاً !
يقول البعض إن أي مقالة (تقريباً) مكتوبة باللغة العربية يمكن التنبؤ بما سيصل إليه الكاتب في الختام.
ضمن هذا الوضع أي نشاط ثقافي مؤسس بشكل علمي، سيكون ذا فائدة على الثورة أكثر من الصواريخ، نحن بحاجة إلى نظرية فكرية، تناقش، وتنتقد، وتحلّلُ التيار الفكري السائر. هذه المناقشة المطلوبة هي بطاقة الدخول على التيار العالمي.
ما نحتاجه هو إعادة تأسيس القراءة العربية، والإنتاج الفكري العربي، كي يحدث ذلك، ألا يجب – على سبيل الاستعارة – أن يكون هناك مجلس ائتلاف ثقافي سوري؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث