طبيب وباحث سوري
في إحدى القنوات
التلفزيونية الأوروبية، تتكلم إحداهن عن وجهة نظرها، التي تتضمن أن على أوروبا ألا
تستقبل اللاجئين السوريين، وذلك بسبب الفارق الحضاري بين السوريين والأوروبيين، ممّا
سيؤدي إلى شعور السوريين بالغربة، في حين أنه من الممكن أن يتم استقبالهم في الدول
العربية المجاورة ذات الامتداد الحضاري الواحد.
من جهة أخرى قد يؤدي استقبال هؤلاء إلى تشويه
حضاري ما في أوروبا. ولكن لأسباب تتعلق بالحضارة الأوروبية نفسها، يمكن لأوروبا أن تستقبل المصابين
والجرحى والمتضررين جسدياَ من الحرب.
يبدو أن وجهة النظر
هذه مرفوضة أخلاقياً، وقيمياً؟ ولكن لماذا؟
لأن الأوروبي يجب
أن يساعدَ السوريَّ؟ إذا فعل ذلك فله جزيل الشكر، ولكن لماذا عليه أن يفعل ذلك؟
لأن ذلك واجب أخلاقي، ولكن إذا قام الأوروبي بمساعدة السوري ألن يؤدي ذلك إلى
اعتراف السوري بأخلاقية الأوروبي بالضرورة؟ وتمثل الكثير من قيمه التي دفعت به على
المساعدة؟ هذه النتيجة يجب أن تكون أكيدة بالنسبة للأخلاق العربية المحلية
والأخلاق العالمية. ولكن كي يتردّد الغرب الأوروبي بتقديم المساعدة، فإنه مقتنع
تقريباً أن لا أحد مِمّن سيساعدهم سيعترف بقيمه. ليس هذا فحسب، بل ربما يخاف من
الشبح الأخلاقي عند السوريين ولا سيما بعد الأحداث الدامية (هل هكذا يراها الغرب
أحداثاً دامية قبل أن يراها حرباً ضد الإرهاب أو مقاومة شعبية؟) وبالتالي ألا تمتلك وجهة النظر التي عرضناها في
المقدمة كلّ المبررات ؟
طبعاً، هناك فارق
حضاري كبير، والأهمُّ هناك فارقٌ قيميٌّ كبير بين أوروبا وسوريا. فمن سيقتنع من
أوروبا بعد الآن _حتى انتهاء الأزمة بالحد الأدنى – بقيمة التسامح أنها موجودة
لدينا؟
لنتخيل أن أوروبا
تستطيع مع التقدُّم التّقني أن تبني جداراً ضخماً، تعزل به هذه المنطقة عنها،
وتلقي لها بما يلزمها من الغذاء وغيره من أعلى الجدار. ولنقل أنّها ستؤمن لها حياة
رغيدة أكثر من أية فترة سابقة. ستبدو هذه العملية ممكنة أخلاقياً فقط من وجهة
النظر التي تقول بأن هؤلاء اعتادوا على الحرب لذا يجب عزلهم لفترة ما بينما تعود
إنسانيتهم. وستبدو من الجهة الأخرى أنها أخلاقية لمن يريد أن يعيش حياة هادئة من
أهالي هذه المنطقة، ولكنها ستبدو غير أخلاقية أبداً، لِمَ تبقى؟ من هم؟ ولماذا؟
إذا كانوا يريدون الوصول إلى أوروبا الآن كي ينقذوا حياتهم، وكي يؤمنوا فرصة أفضل؟
يستطيعون كما قالت وجهة النظر في المقدمة أن يذهبوا إلى الدول العربية؟ لا مشكلة
أبداً. ولكن أنا واثق أنهم سيرون – منطقياً – هذا الحاجز الضخم والسحري لا
أخلاقياً، لنعيد السؤال مرة أخرى، من هؤلاء الذين سيرفضون هذا الحاجز – الرفاهية؟
من يرغبون بالحرية،
هم من سيرفضون هذا الحاجز – الرفاهية.
من يعتقدون أنهم
يملكون رسالة حضارية متنورة يجب نقلها إلى أجزاء العالم الأخرى.
من يعتقدون أن هناك
قيمة إنسانية عالمية تضمن للإنسان أن يختلط، ويتفاعل مع إنسان آخر.
هذه المجموعة من
القيم الثلاث (حرية، التّنوُّر، التواصل العالمي) بالترتيب، أو غيرها إذا
استطعنا… هل تشكل سبباً وجيهاً كي يستقبل الأوروبي السوري؟
ستسبب للأوروبي
درجة معينة من الارتباك، ولكن كيف سيقتنع الآخر بالحرية في بلد لم يستطع أهله إلى
الآن أن يضعوا خطوات واضحة لهذه الحرية سوى بمحاربة النظام، بل إن ظهور بعض
الجماعات المقاتلة الإسلاموية جعلت هذه الدعوى بالحرية باطلة تماماً.
ثم كيف سيقتنع
الأوروبي أن هناك عقلاً متنوّراً في هذا البلد، إن كان موجوداً فهو سيتفيد منه
ومقابل هذه الاستفادة، سيقدم الرفاهية من فوق الحاجز الكبير.
أما القيمة
الثالثة، فنعم، من حق كل إنسان أن يتواصل مع الآخرين (بالمعنى الواسع والعميق)
ولكن هذا الحاجز ليس أبدياً، وهذه القيمة أقل جوهرية من قيمة الحفاظ على الحياة
التي يجب علينا (كغربيين ) أن نحميها. ثم إن كان هذا الإنسان يريد أن يتواصل فنحن
سنعلمه كيف يصنع أدوات التواصل الحديثة والمفاهيم الحديثة، أي أننا سنفتح بوابات
في الجدار لتعليم من يريد من أبناء هذه المنطقة.
يبدو أن هذا الطرح
عقلاني جداً وإنساني جداً.
على كلٍ، يجب على
الغربي أن يقتنع، لأنه ببساطة الأقوى.
إذاً وجهة النظر في
المقدمة منطقية تماماً، وأخلاقية تماماً، ولا سبيل لردّها.
لكنها ستفقد كلَّ
منطقية لها، إذا ناقشناها كالتالي، ويبدو: فقط وإذا فقط ناقشناها كالتالي:
1. هذا الجدار غير قابل لأن يتم بناؤه أبداً. لسبب إننا الآن في هذا العصر
أصبح الشهود ينظرون على قاعة المحكمة وقاعة الجريمة (التي حدثت أو ستحدث تحت
كاميرات التسجيل، لا محال ) معاً في آن واحد.
2. في عصر الشهود هذا لا يمكن أبداً أن نقوم بشيء ما لم يكن مبرراً منطقياً.
إذاً كي يُرفض هذا الجدار من (شخص ما) عليه أن يجد مبرراً منطقياً. وأي شخص عليه أن
يرفض هذا الجدار عليه أن يبرر ذلك منطقياً.
3.في عصر الشهادة
هذا، سيندفع هذا الشخص إلى قاعة المحكمة :
“أطلب
أن أسأل سؤالاً: أيهما أفضل وأكثر خيراً للبشرية أن يكون عددها 20 شخصاً فيلسوفاً
فقط، عقلانيون أخلاقيون منطقيون حضاريون ….إلخ أم أن يكون عدد سكانها 6 مليارات
كلهم فلاسفة حضاريون منطقيون .. إلخ؟
طبعاً، كقيمة يفضل
أن يكون الخيار الثاني، ولكنّه مستحيل؟ ولكن استحالته أقل بكثير من استحالة بناء
جدار سحري. من يستطع أن يبني جداراً سحرياً يستطع أن يعلم 6 مليارات إنسان.
ولأن استحالته أقل
بكثير من استحالة بناء هذا الجدار، إذا اختار الغرب أن يبني هذا الجدار فهذا يعني
أنه فشل في تعليم المتبقي من 6 مليارات غير متعلّم إذا حذفنا منهم الفلاسفة
العشرين.
ويمكن دائماً أن
يبرز من داخله من هو إرهابي وهمجي، إذا فشل اليوم فمنطقياً من الممكن جداً أن يفشل
في تعليم هؤلاء البازغين الجدد في الهمجية. وإذا فكر في هذه الطريقة فهذا يعني أن
الهمجية قد تنتصر يوماً ما لأنه حينها : يتساوى التلميذ الجاهل والمعلم الذي كان
من المفترض أن يعلمه. “
إذاً مَن يرفض بناء
هذا الجدار الكبير، هو من يعرف تماماً أن الحضارة الآن في الغرب، وأنه علينا كبشر
أن نتعلم من التجربة الغربية، وأن على الغرب أن يفتح أبوابه للسوريين، ليس لأنهم
كساح فقط، أو يدعون الحضارة فقط، أو يغلقها لأنهم همجيون فقط، بل لأن عليه أن
يستفيد من كذا مليون إنسان كفلاسفة محتملين وأخلاقيين وحضاريين، الخ … وفق
المناقشة السابقة في قاعة المحكمة.
إذاً: كلُّ مَنْ
يتلهّف لمزيد من السباحة في بحر الحضارة العلمية والفلسفية المتأججة في الغرب، يرفضْ
هذا الجدار، والشرط السابق لذلك – تبعاً للمناقشة أعلاه –
أن لا يذوب في هذه
الأمواج وإلا فقدت الحجة المنطقية قوتها، ولن يستفيد الغرب من احتمال زيادة عدد
الفلاسفة، لأنه سيكون إن ذاب نسخة مكررة ممّا هو موجود.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث