أركان الديراني – صدى الشام
لا يكاد يمرُّ يوم من أيام الثورة السورية إلا وتذكر فيه مدينة داريا، ويُحكى عن تجربتها المميزة والمبدعة في العمل العسكري والمدني والتنظيمي على حدٍّ سواء، ولا يكاد يوم إلا ويواصل فيه النظام انتقامه العنيف من تلك المدينة التي هزّت صورة الجيش السوري “الباسل” وحطمت “كبرياءَه” طوال أكثر من عام من عمر الحملة العسكرية الأخيرة على المدينة.
بدأ الجيش الحر بالظهور في داريا في مطلع العام 2012، وكان جلّهم من شباب المدينة ممن كانوا متظاهرين سلميين في الأساس، والذين لم يجدوا بداّ من حمل السلاح بعد سقوط العشرات من رفاقهم ومن أهالي المدينة واعتقال المئات منهم، والاعتداء على حرمات النساء والبيوت والمساجد.
كانت تلك التجربة جديدة على معظم شبان المدينة ولم تخلُ من بعض مظاهر سوء التنظيم والإدارة، ممّا تسبّب فيما بعد بفشل عسكري كبير تمثل في اقتحام النظام للمدينة وارتكاب أكبر مجزرة في تاريخ الثورة السورية بعد مجزرة الكيماوي.
شكلت تلك المجزرة صدمة للجميع، لكن بدلاً من الاستسلام شجعت تلك الكارثة ناشطي المدينة من مدنيين وعسكريين على تأسيس سلطة مدنية عسكرية مشتركة تحت اسم “المجلس المحلي لمدينة داريا” باعتباره مؤسسة وطنية شاملة يعمل تحتها الجميع، وتضم 10 مكاتب متخصصة في العمل المدني والعسكري والإغاثي ومجالات أخرى.
وللشهور التي تلت تأسيس المجلس، انهمك الجميع بالتخطيط والعمل بشكل مؤسسي ممنهج ومرتب بشكل يليق بالثورة السورية، ومن يقرأ النظام الداخلي للمجلس سيستشعر عظمة هذه المدينة، وترفع أهلها عن الخطاب الحزبي الضيق، وسيشعر بالتفاؤل أن سوريا على موعد مع بناء دولة عصرية نهضوية، بغض النظر عن تسميتها وتوصيفها الإيديولوجي.
كان لـتلك الـ “مأسسة” دور حاسم في النجاحات التي حققتها السلطات المدنية والعسكرية في المدينة، إذ نجحت مؤسسات المجلس المحلي إلى حد كبير في تحييد الخلافات الفكرية والعقائدية بين بعض المجموعات وتقليل أثرها على الأرض إلى أقل حد ممكن، ساهم في هذا ما أسسه علماء المدينة وخطباء المساجد طوال العقدين الأخيرين من فكر إسلامي متنور وحضاري، ممّا ساهم في تنمية وعي الشباب في المدينة وتركيزهم على أهداف الثورة الحقيقية، ودفع الخطر الحقيقي على الوطن والمتمثل بالنظام .. والنظام فقط .
من هنا، فقد بدا أن المجتمع الصغير في هذه المدينة محصّن تماماً ضد الأفكار الوافدة والمفاهيم الشّاذة ومتماسك جداً أمام أي تهديد فكري أو أخلاقي، والمجتمع الديراني منغلق إلى حد ما على مجموعة من القيم والمفاهيم المحددة التي لا يرغب أهل داريا بالحياد عنها، هذا النوع من المجتمعات المتماسكة كان الأشد إيلاماً على النظام، اذ لم يستطع الأخير اللعب على الوتر الإيديولوجي وضرب الكتائب المقاتلة ببعضها البعض نظراً ما رسخه هذا الانغلاق الفكري “الإيجابي” من تماسك وصلابة في الموقف على الأرض.
وخلافاً لمعظم المدن والبلدات السورية، لا تشتهر داريا بكثرة مغتربيها في الخارج، إذ أن الاغتراب والسفر لم يكن من عادة أهل هذه المدينة في أي عصر من العصور، و مالا يعرفه الكثيرون عن داريا، هي أن أهلها في الغالب لا يغادرونها إلا للضرورة القصوى، فالشاب الديراني على سبيل المثال لا يتزوج غالباً إلى من فتاة ديرانية، ولا يعمل إلا في داريا غالباً وحتى أموات داريا لا يدفنون إلا فيها.
ولكن ما العلاقة بين قلة المغتربين في المدينة قبل الثورة وبين تميز التجربة الديرانية بعد الثورة؟
قلة المغتربين من أهل داريا ساهم في توحيد أقنية الدعم العسكري والإعلامي والاغاثي للمدينة، وحدّ من التدخلات الخارجية وتقسيم العمل على أساس إيديولوجي إلى أقل حد ممكن، أهل داريا لا يعرفون عن الإسلام سوى الإسلام نفسه أما مصطلحات ( سروري- إخواني – وهابي – سلفي .. الخ) فلم تتسرب إلى داريا حتى الآن، ويحافظ أهل المدينة على فهمهم الصافي والصحيح للإسلام، هذا الفهم الذي كان له دورٌ حاسمٌ في منع ظهور أيِّ فكر متطرِّف دخيل.
إحدى المدن القريبة من داريا على سبيل المثال، تعاني حتى اليوم من تخبط كبير وسوء في الإدارة والتنظيم في العمل العسكري فقط بسبب تضارب مصالح الداعمين وتناقض عقائد وأفكار كل منهم، فالداعم الإخواني المقيم في الكويت لا يقدم دعماً لكتيبة أخرى تتلقى الدعم من مغترب آخر كان يقيم في السعودية، ويتبنى الفكر “الوهابي” على سبيل المثال، وقسْ على ذلك ما يجري في الشمال والشرق السوري ومناطق أخرى من صراعات بين الكتائب نفسها فقط لمجرد خلافات فقهية بين هذا الداعمين والقادة.
مقاتلو داريا لا يملكون الوقت والرفاهية اللازمة للخوض في النقاشات الثورية والتنظير الفيسبوكي، ولم يخض مثقفوها في النقاش التقليدي العقيم حول “نوع الدولة” التي يريدونها بعد إسقاط النظام، وهل ستكون دولة إسلامية أم علمانية أم دولة بنكهة الشوكولا؟؟
الأولوية الآن للجميع هي إسقاط النظام وتحرير الدولة ومنع اعتقال الناس وتعذيبهم وكبت حرياتهم، وعندما يسقط النظام وتتوقف عذابات السوريين، سيكون أمامهم متَّسعٌ من الرفاهية للخوض في هذا النقاش .. ولكن الآن ثوار داريا لا يخوضون أي نقاش سوى نقاش إسقاط النظام وحسب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث