الرئيسية / رأي / صورُهم… وجعُنا

صورُهم… وجعُنا

ثائر الزعزوع
من البَدَهي أن ينشغل العالم بأسره بمتابعة وقائع مؤتمر جنيف2 الذي طال انتظاره، والذي يؤمّل الكثير منّا نفسه بأن يكون بدايةً للخلاص من حكم الطاغية الذي فاقت جرائمه كلَّ ما يمكن توقُّعُه، لكن من غير الطبيعي أن يجعلنا ذلك الحدثُ السياسي الأشبه بالمسرحية الهزلية ننسى ولو لدقائق الصور التي قامت وكالة الأناضول التركية بنشرها، والتي توثق لواحدة من أبشع الجرائم الأخلاقية على الإطلاق.
 فالصور التي يبلغ عددها خمسة وخمسين ألف صورة تمثل بعضاً من كلّ ممّا لاقاه السوريون لا خلال الثورة العظيمة فقط، ولكن على مدى تاريخ حكم آل الأسد الدموي والسادي، وإن كانت مقاطع الفيديو والصور التي تمّ تسريبُها من قبل قد أعطت العالم بأسره تصوُّراً عما عانيناه خلال هذه الحقبة المظلمة من تاريخ سوريا الحديث، فإن الصور الجديدة تقدّم لنا قبل أيِّ أحد آخر دليلاً قاطعاً على أن خيار الثورة كان الحل الوحيد لنا للخلاص من هذه العصابة.
وإن يكن العالم “الحر” المستمتع بديمقراطيته قد ذهل لفداحة ما رآه، وهرع ليناقش، ويحلل، وتصدّرت صورنا، ونحن هزيلون وآثار التعذيب على أجسادنا، الصفحات الأولى لصحفه الكبرى ولنشراته الإخبارية، وبعض برامجه الحوارية، فإننا حيث نحن، كلُّ واحد منَّا في مكانه، كنا نعرف أن هذه الصُّور موجودة، ونعرف بل، واختبر بعضنا جزءاً كبيراً من التعذيب داخل تحت الأقبية المظلمة وفي الزنازين المنفردة، لقد بدأنا ثورتنا بصورة حمزة الخطيب، ألا تستحق الأيادي التي امتدت على طفولة حمزة، وقتلته بتلك الطريقة السادية أن تقطع، ألا يستحق النظام الذي أمر بأن يقتل حمزة الخطيب بتلك الطريقة أن يساق إلى محكمة الجنايات الدولية منذ سنتين ونصف على الأقل؟.
هل كان على العالم أن ينتظر هذا القتل والتعذيب والدمار كله كي ينطق بتلك الجوهرة، ويقرر أن يستدعي محققيه الدوليين، ويبدأ بإعداد ملف ادعاء ضد مرتكبي “الجرائم ضد الإنسانية”؟
ألم تكن صور موتنا اليومي كافية؟
ألم يكن تهجيرنا، ودمار تاريخنا كافياً؟
ألم يكن حمزة الخطيب، وهاجر، وتامر، وروان القداح وسارة العلاو، ألم يكونوا أدلة كافية على قذارة هذا النظام، أم أن العالم كان بحاجة للمزيد المزيد؟
بل إنّ العالمَ المتحضّر في زحام اشتغاله بقضيتنا ومأساتنا، نسي جريمة كيماوي الغوطة، ولم يعد يتذكرُها، نسي أن دماء شهدائها لم تجف بعد، وأن قبورهم الطاهرة التي زارتها لجنته الدولية خيرُ دليلٍ على جريمة العصر، لكن هل العيب في العالم أم فينا نحن؟ هل اعتدنا الموت إلى هذه الطريقة؟ وهل اعتدنا أن يرى العالم موتنا، وننتظر منه إدانة، ثم نعود لنموت من جديد؟ أين دورنا كإعلاميين في ترسيخ صورة موتنا وألمنا؟؟ ما الذي نقدّمه لأنفسنا كي ننتظر من العالم أن يقدم لنا؟
يقول مفكر هندي: إن العرب هم أسوأ محامٍ عن أعدل قضية، والحديث هنا طبعاً عن مأساة فلسطين الحية في قلوبنا أبداً، ويبدو أننا نحن السوريين جميعاً ودون استثناء تصح علينا هذه المقولة، فنحن أسوأ محامٍ عن أعدل قضية، عن ثورتنا عن حريتنا، عن كرامتنا، وقد انشغلنا عنها بترهات وتفاهات، فخوّن بعضنا بعضاً، وهدد بعضنا بعضاً، وكفر بعضنا بعضنا، تسابقنا على وسائل الإعلام لنصبح نجوم الثورة، ووقفنا طوابير أمام السفارات الأجنبية كي تجود علينا باللجوء، تركنا سوريا الرائعة لمجموعة من القتلة والسفاحين، ونسينا ثورتنا، حولناها إلى صفحة على الفيس بوك، وجلسنا نراقب أوباما وكاميرون وهولاند وهم يصرحون، أفرطنا في شتم بوتين ولافروف، ومنذ متى كنا نهتمُّ لهؤلاء جميعاً، منذ متى كان يعنينا ما يقوله رؤساء العالم الذين كانوا يضحكون وهم يرون حمم إسرائيل تنهال على غزة، بمساعدة بشار وسواه؟
تركنا سوريا وحيدة، ولم ندافع عنها بأرواحنا كما يجب، لذلك استطاع القتلةُ أن يُجوّعوا أهالي المدن المحاصرة، فلا يجدون من يغيثهم، واستطاع القتلة أن يملؤوا المعتقلات بالسوريين فلا يجدون من يطالب بهم.
نحن الذين هتفنا حتى بحت حناجرنا” سوريا لنا وما هي لبيت الأسد، تركناها لبيت الأسد كي يستبيحوا كل شيء فيها، ويجلبوا مرتزقتهم ليدمروا، ويقتلوا، ويعذبوا كيفما يحلو لهم.
هل استطعنا أن ننقل للعالم صورتنا وصوتنا كما ينبغي؟ هل استطعنا أن نجعل ثورتنا عالمية دون أن ننوح بطريقة كربلائية بغيضة لا يفهمها العالم أصلاً؟
هل قدّمنا وثائقَ وأدلةً تؤكد أحقيتنا بالثورة، أم انشغلنا بالترهات، واختلفنا بين مُعارض لداعش ومُؤيد لها؟ وداعش أصلاً ليست من الثورة، هل كنا ننتظر أن تحررنا داعش من حكم آل الأسد؟ وهي التي لا تقل إجراماً عن آل الأسد؟ أين غابت راية ثورتنا وشعاراتنا؟ أين اختفت أصواتنا المبحوحة؟ هل يبدو هذا الكلام يائساً؟ هل يبدو هذا الكلام مستسلماً؟
لا يهم، المهم أن الثورة ما زالت بحاجة إلينا، كما كنا ومنذ نصف قرن من الزمن بحاجة إليها، المهم أن سوريا بحاجة إلينا كما نحن بحاجة إليها، هي بحاجة لنا جميعاً، كما نحن بحاجة إليها كلها. 
نعم، صورُهم وجعُنا، حزننا الكامن في قلوبنا، لكن هل ستجعلنا صور أخرى، أو مقاطع مسربة جديدة ننساهم كما نسينا سواهم؟
 
 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *