جنيف2، حمل بداية لأمل رغم كلِّ ما لنا فيه وحوله، وحتى بمن مثّلنا ومثّلَ علينا خلاله، وعجبي مازال موصولاً حول كل من يرى في الحل انهزاماً، في واقع اللاحل واللانصر المفروض دولياً، وفي واقع تعدُّد مستويات الأزمة في الداخل، وبدء “الثورة أكلها لبنيها”.
غني عن القول أنه ما عاد من مشكك، حتى ضمن المغيبين، أن هذا النظام مستعد لبيع حتى ما يباع لمرة واحدة، كرمى لكرسي وتفادياً للمحاسبة، ولعل ما حدث في سوريا ولها، دليل على الجدية الممزوجة بعهر، لأكثر الشعارات، التي قرأتها في حياتي، عدمية وجدية في آن”الأسد أو نحرق البلد”.
بداية القول: سنأتي على آخر الأرقام والدلالات كارثية، قبل أن نعود لجنيف، وهل من الثورية بمكان، مفاوضة نظام مجرم في واقع لابد مما لابد منه؟؟
– تخسر سوريا عشرة ملايين ليرة سورية في كلِّ دقيقة
– 300 شخص يهجّرون من بيوتهم كلّ ساعة .
-2500 شخص يفقدون المقدرة على تأمين قوتهم كل يوم
-عشرة آلاف شخص يخسرون عملهم في كلِّ أسبوع
-تسعة آلاف شخص يصبحون تحت خط الفقر الأدنى
– 10000 شخص يخسرون عملهم أسبوعياً وستة آلاف يموتون شهرياً.
وكل سنة تستمر فيها الأزمة تتراجع سوريات ثماني سنوات إلى الخلف في كل المؤشرات الاقتصادية والتنموية، بل أن “البلد الذي زرع القمح قبل 12 ألف سنة يعجز ربع سكانه عن تأمين رغيف الخبز”
طبعاً هذا عدا مقتل أكثر من 120 ألف سوري، وخروج نحو خمسة ملايين من بيوتهم ووضع نحو عشرة ملايين شخص في حاجة ماسة للمساعدة الإنسانية، من أصل 22 مليون سوري.
هذه الأرقام ليست اجتهاداتٍ أو رمياً جزافاً، بل موثقة وأصدرتها”الأسكوا” قبل أيام بالتزامن مع مؤتمر جنيف2، بل وأضافت أن سوريا خسرت 37 سنة من التنمية، وتراجع تصنيفُها في كل المؤشرات التنموية لتحتل المركز قبل الأخير عربياً، ما يعني أن “كل يوم إضافي في هذه الأزمة سيعني خسارة 109 ملايين دولار أميركي من الناتج المحلي الإجمالي، والمزيد من التراجع وصعوبة إعادة البناء”.
قصارى القول: النظام السوري سقط لا محالة، ولا يمكن أن يكون-بمعظم رموزه-ضمن سوريا المستقبل، وهذا الرأي لا يستند إلى تطمينات رئيس الدبلوماسية الأمريكية، لأن لواشنطن حسابات وأهدافاً على غير ما يشتهي السوريون، لكنها الحقيقة التاريخية التي لا تقبل بالرجوع للوراء، ولكن أن يسقط النظام أو الرئيس شيء، وتسقط الدولة السورية شيء آخر وبالمطلق.
لابد من التفريق به، ونهي من يلبس ثوب الثورة مقلوباً عن جرِّ سوريا الدولة والمؤسسات إلى مزيد من السقوط والانهيار، فأن يتبجح البعض –كما أشرنا بداية – بعدم جواز وشرعية التفاوض مع القتلة.
فذلك قمة الثورية والمنطق فيما لو أن ثمة بدائل متوفرة، أو على الأقل، لو لا تحارب ثورة السوريين من الأشقاء قبل “الأصدقاء” والأعداء ..أما أن يتشبث البعض، ممن يحملون ثأراً شخصياً أو عقدة ما…أو حتى أولئك المهيمنين عليهم روحياً، بأن لا تفاوض ولا جلوس مع “من تلطخت أيديهم بدماء السوريين” بل والأنكى أن موجة ثورجية تنادي لا..ولو أدت المفاوضات لرحيل الرئيس وعصابته ، وكأن تلك الأرقام والأموات لا تعنيهم بقدر ما تسحبهم أمراضهم من آذانهم صوب الدمار .
نهاية القول: تمنينا، ولاشك، لو ثمة احترافية في وفد المعارضة، لجهة التخصص وتوزيع الأدوار، فتصورا-مثلاً- لو ثمة وفدين، الأول يفاوض بالقضايا التكتيكية والإنسانية من ادخال مساعدات للمناطق المحاصرة واطلاق سراح المعتقلين، وثان يفاوض حول الهيئة الانتقالية وتنحي الرئيس، فوقتها لن يكون هناك خلط، ولن يسمحوا لوفد الأسد بتضييع الوقت وخلط الملفات، وخاصة أن ثمة فرصة في جنيف2، وأخص بعد الضغط الأمريكي والتراجع الروسي، يمكن اغتنامها لما فيه مصلحة سوريا والسوريين .
ولكن رغم كل أمانينا وملاحظاتنا حول وفد المعارضة، نعتقد أن وقف نزيف الدم وعودة وسوريا وإن بالتدرج، اللهم إن تم تطبيق جنيف1 ورحلت عصابة الأسد، هو خير ألف مرة من المراوحة والتغنّي بثورية جوفاء لن يحصد منها أهلنا في الداخل غير البراميل والموت جوعاً، ومن هم في الخارج سوى مزيد من العوز وطرق باب اللئام .
عدنان عبد الرزاق
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث