نبيل شبيب
مع تقدير جميع ما ظهر من شعارات، ولافتات شعبية، وبيانات وإعلانات تنظيمية، وما حمل عناوين مواثيق وعهود، لجمع أطراف سياسية وثورية، على مضامين متشابهة، وبصياغات متعددة.. مع تقدير جميع ذلك يبقى في نظر صاحب هذا القلم أن جوهر الثورة الشعبية في سوريا قد عبّرت عنه تعبيراً جامعاً مانعاً أولى الهتافات التي اندلعت في سوق الحريقة بدمشق قبل اندلاع الثورة، أو أثناء إرهاصات الثورة:
“الشعب السوري ما بينذلّ”.. رفضاً للاستبداد
“حرامية.. حرامية”.. رفضاً للفساد.
مضى على ذلك زهاء ثلاث سنوات، واختلطت المشاهد في اللحظة الراهنة، ولا يزال جوهر الثورة هو الأرضية الوحيدة التي يمكن أن تعطيها اليوم، وغداً قوة إبداع دافعة خلاقة لتواصل مسارها، وتحقق أهدافها، وتضع لبنات البناء لدولة منبثقة عن الثورة حقاً لا ادعاء وكلاماً.
. . .
لننظر على ضوء ذلك في ثلاثة محاور إجمالاً ثم ببعض التفصيل:
١- التعامل الدولي مع الثورة..
نعلم أن القوى الدولية امتنعت عن دعم الثورة للتخلص من نظام همجي مهترئ.. ولم تكن لتمتنع لولا أنها أخفقت في سعيها لاستبدال استبداد يناسبها باستبداد كان يناسبها وفساد يخدم مطامعها بفساد فقدَ قدرتَه على خدمتها..
لم يتبدّل محورُ علاقات الهيمنة الدولية في المنطقة، فقد ارتكزت دوماً على هذا وذاك، ولهذا أصبحت تلقائياً في مواجهة جوهر الثورة: القضاء على الاستبداد، والفساد قضاءً مبرماً.
٢- مفاوضات جنيف.. يمكن أن تدور أياماً أو شهوراً أو سنوات، ويمكن أن يرافقها التأييد والرفض، والتلميع والفضح، وجميع ذلك تفاصيل.. فالعنصر الحاسم هو:
إن لم يوصل التفاوض سريعاً إلى نهاية الاستبداد والفساد، نهاية قطعية، لا يمكن أن تتوقف الثورة.
٣- الصراع مع داعش.. سيّان ما يقال عنها بصدد ولادة في رحم مخابرات النظام، أو احتراق، أو خدمته دون قصد، أو تمييز بين قيادات ومخلصين.. سيان فما كان للمواجهات المباشرة معها أن تندلع، وتتفاقم، لولا أنها سلكت مسالك الممارسات القهرية الاستبدادية تنظيراً وتطبيقاً حيثما سيطرت بعد أن أعطتها فرقة الثوار وغفلتهم فرصة السيطرة.. وهذه المسالك هي التي صنعت الرفض الشعبي، قبل الثوري، بغضِّ النظر عن جميع ما تقول به داعش عن نفسها بشأن ملاحقة الفساد والفاسدين في “المناطق المحررة”!.
لهذا يمكن التأكيد أن استمرار البعد عن جوهر الثورة يؤكّد مصير الإخفاق لسائر الجهود المتنامية المبذولة من أجل “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” سواء بالمعنى السلبي، أي إعادة تشكيل النظام الاستبدادي الفاسد بصيغة جديدة تستر عيوبه ولا تزيلها، أو بالمعنى الإيجابي، أي خروج مسار الثورة من عنق الزجاجة ميدانياً وسياسياً.
. . .
على المحور الأول..
صحيح أن القوى الدولية والإقليمية الراغبة في تغيير خارطة المنطقة مع استبقاء هيمنتها عليها، قادرة على شراء ولاءات وتوظيفها لتحقيق ما تريد، ولكن بات من المستحيل من اللحظة الأولى لاندلاع الثورة وظهور جوهرها، أن توجدَ تلك القوى -مهما بذلت- مَن يستطيعُ ترسيخَ وضع “نظام متكامل” جديد، بديل عما كان حتى الآن، ترسيخاً قائماً على قاعدة شعبية ما، كيلا تستمر الثورة ضده أيضاً.
إنَّ جوهر الثورة يعني رفض اقتصار أي وضع جديد على تبديل طاغية اهترأ وجهُهُ، وانهار دورُه بطاغية آخر.. ومن يشهد ما يجري في مصر حالياً، يشهد استمرار الثورة مع التضحيات الكبيرة، ويشهد إخفاق القوى الدولية والإقليمية في تمرير ما تريد..
ولنلاحظ عبر المشهد في مصر أيضاً:
تعلم القوى الدولية أنها في ورطة مستعصية، ولكن لا “تنزعج” من امتداد الورطة زمنياً وجغرافياً، بل تواصل المحاولة، والتلاؤم مع كل عنصر جديد يظهر في مسار الثورة..
بتعبير آخر: ما دامت القوى الدولية غير مطمئنة في تفاعلها مع ثورات الربيع العربي، إلى تحقيق هدف استبقاء الهيمنة، الجوهري بنظرها، فستمضي في محاولاتها للعثور على بديل يخدمها، في مصر وسواها، وإن بلغ الأمر أضعاف ما بلغه المسار في سورية حتى الآن من تضحيات ومعاناة.
على المحور الثاني..
صحيح أن ما بات يوصف بوفد المعارضة أو وفد الائتلاف في جنيف قد حقق “نصراً ديبلوماسياً وإعلامياً” في الأيام الأولى من جنيف ٢، ولكن النهج المتبع قبل المؤتمر -والكلام فيه طويل ومرير- جعل الحد الأقصى لما يمكن الوصول إليه “سياسيا” دون مستوى اقتلاع أخطبوط الاستبداد والفساد بجذوره وفروعه.. كيف ذلك؟
مثال على المقصود: التركيز على رأس الأخطبوط حالياً.. وهو واقعياً”ورقة الجوكر” في جيب القوى الداعمة له حتى الآن..
مثال أهم: التركيز الأشد واللافت للنظر على “صيغة النص الدولي” لتشكيل هيئة انتقالية حاكمة، فصحيحٌ أنَّ النصَّ يقرّر حق النقض / الفيتو لممثلي الائتلاف على أي اسم يطرحه الطرف الآخر، وهذا ما يجري إبرازه بصدد استئصال رأس الأخطبوط.. ولكن النص نفسه يقرر بالمقابل: للطرف الآخر، أي لأخطبوط الاستبداد والفساد الحالي، أن يعترض على أي اسم يطرحه الطرف الذي يُفترض أنه يمثل الثورة.
هل يمكن إذاً أن يوصل “جنيف ٢” فعلاً إلى هدف الثورة الأصيل، وفق جوهر الثورة المذكور، أم أنه مجرد مسار جانبي، وبالتالي لا ينبغي أن يشغل عن المسار الرئيسي، حتى مع تلبية دعوات كثير من المخلصين إلى “الكف عن الطعن في ظهور المفاوضين أثناء المفاوضات”.
. . .
على المحور الثالث..
غاب جوهرُ النزاع مع داعش وراء ما لا نهاية له من التفاصيل والأطروحات، وتبادل الاتهامات بالتخوين والتبرئة، فلنتخيل اختفاء اسم داعش من خارطة الثورة، ولنثبت بكلِّ وضوحٍ:
كلُّ طرح تنظيري أو ممارسة عملية لأية صيغة من الصيغ تنطوي على معنى الاستبداد أي الإكراه، ومعنى الفساد بمختلف أشكاله.. هو طرح مرفوض، وهذا جوهر ما أوقد الثورة، وكانت التضحيات، وما تزال من أجله، فلا يمكن القبول به، ولا السكوت عنه، ولا تأجيل اجتثاثه بجذوره وفروعه، سيّان عن أية جهة صدر، بما في ذلك أي فصيل مقاتل، من داخل سوريا، أو من سوريين ومخلصين من خارجها يدعمون الحق في سوريا، وسواء كان فصيلاً صغيراً أو كبيراً، إسلامياً أو يرفع شعارات أخرى.
إن المواجهة مع داعش ليست “جبهة ثانية” من جبهات الثورة، بل هي جزء من الثورة، لأن الثورة الشعبية ثورة ضد الاستبداد والفساد، ضد التسلّط بسلاح أو مال، وليس ضد فلان وفلان من الناس، ولا ضد هذه الفئة أو تلك من البشر.
مرة أخرى نجد في هذا المحور الثالث، وكذلك في أيِّ محور آخر نطرحه، ونتحدّث عنه، أن أرضية استيعاب مسار الثورة، والتلاقي عليه، لن يتحقق إلا على جوهر الثورة، وآنذاك فقط، يمكن أن نصل، طال الطريق أو قصر، إلى ما يحقق في الدولة المنبثقة عن الثورة ما تعنيه كلمة “الشعب السوري ما بينذل” دستوراً وثقافة وسلطات وعلاقات داخلية وخارجية على كلِّ صعيد، وما يوجب أن يختفي من المشهد جميع الآليات الظاهرة والخفية التي تعبر عنها كلمة ” حرامية.. حرامية” في أول مظاهرة شعبية ثورية في دمشق.
. . .
لهذا يجب الآن أن تطرح الجهات الثورية المخلصة، المقاتلة والداعمة، الموحدة في جبهات وخارج نطاقها، العاملة ميدانياً أو سياسياً أو مدنياً، تصوّراتها الأساسية، طرحاً واضحاً، يشمل الوضع الراهن ومراحل الطريق الواصلة إلى دولة منبثقة عن الثورة، مع شمول الطرح بصيغته الإجمالية وفي تفاصيله، جميع ما يضمن جوهر الثورة بشقيه:
لا استبداد ولا فساد..
ولا مشروعية لأحد ولا ميثاق ولا حل ولا دستور ولا طرح نظري ولا ممارسة ميدانية، إذا ما ترك مجالاً كبيراً أو ثغرة صغيرة، أمام الاستبداد أو الإكراه أو الفساد أو ما شاكل شيئاً من ذلك.
والله ولي التوفيق أولاً وآخراً، من قبل ومن بعد، وهو الحكيم العليم، القوي العزيز، وعد بالنصر من يهيّئ للنصر أسبابه، ويرتفع بنفسه، ومن معه إلى مستوى استحقاق نصر الله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث