ثائر الزعزوع
كانت هتافات عبد الباسط ساروت بمثابة نقطة انطلاق للثورة، فالشاب الذي كان رياضياً متميزاً تحول ومع انطلاقة الثورة إلى واحدٍ من أبطالها، ولم يتوقّف عن حفر مكان عميق له في قلوب الناس، وشكل أيقونة حية من خلال أناشيده المتميزة التي رددها الكثيرون، وظلت “جنة والله جنة” وبعد مرور أكثر من سنتين ونصف واحدة من أهم أناشيد الثورة.
وقد انتشرت صور عبد الباسط ساروت كثيراً وهو يقود التظاهرات في أحياء حمص، واشتهر كثيراً بوقفته الرجولية حتى أطلق عليه الكثيرون تسمية حارس الكرامة السورية، وهو بهذا يعود إلى عمله الأساسي حارساً لنادي الكرامة الحمصي الشهير، لكنه الآن يحرس الكرامة السورية بأناشيده وإصراره منقطع النظير على الاستمرار، فلم يغادر حمص مثلما فعل الكثيرون، ولم يغادر سوريا كما فعل أغلبنا بسبب الملاحقة أو الاعتقال بل ظلَّ مرابطاً حيث ظهر أوّل مرة، ركض، واختبأ، وأنشد بصوته المبحوح مرات ومرات، وقد انضم الساروت فيما بعد إلى رفاقه فحمل السلاح حين لم يعد ثمة حل، فالنظام الذي يقصف المدن والقرى بالطائرات والدبابات لا يمكن بأي حال من الحالات أن يفهم اللغة السلمية الراقية التي كان الساروت يشدو بها.
وهكذا غاب الساروت في زحام القصف اليومي وأخبار المجازر المتلاحقة والدمار الهائل الذي لحق بكل مكان في سوريا، ولم تعد وقفته الشهيرة في حي البياضة أو في دير بعلبة ولا غناؤه يستوقف الكثيرين، وغاب في تفاصيل المشهد كما غاب الكثيرون، بعضهم فرَّ بجلده، والتجأ إلى بلاد الله الواسعة، وآخرون انخرطوا في العمل السياسي فظهروا خطباء في مناسبات “ثورية” وأجريت معهم لقاءات تلفزيونية مطوّلة تحدثوا خلالها عن نضالهم، بل إن واحداً أو اثنين منهم على الأقل حظي بفيلمه الوثائقي الخاص، وكانت مشاركته كناشط في الثورة بطاقة عبوره إلى الضفة الأخرى للمتوسط وربما أبعد من ذلك كثيراً، وأنا هنا لا ألوم أحداً، ولا أنتقص من قيمة ما فعلوه.
لكن الساروت اختفى، هكذا كانت تقول الوقائع، اختفى تماماً، فلم نسمع أنه سافر، ولم نقرأ له تعليقاً على الفيس بوك، ولم نعد نسمع صوته يشدو بأناشيد الثورة، كانت تردنا الأخبار بأنه في الرستن، في تلبيسة، في بابا عمرو، إلى أن ظهر أخيراً مستنداً على جدار في أحد المشافي الميدانية، وتحت صورته خبر يقول إن حارس الكرامة فقد اثنين من أشقائه في معركة فك الحصار عن حمص، وفي تفاصيل الخبر أن قرابة ستين مقاتلاً من كتيبة شهداء البياضة قضوا خلال محاولتهم فك الحصار عن الأحياء المحاصرة، ومن أجل إدخال الطحين للناس الجوعى بعد جلبه من المطاحن بين حيي القصور والخالدية.
وفي فيديو بثَّه ناشطون على الانترنت يظهر الساروت مُنتحِباً، وبلهجة بدوية مثقلة بالحزن يقول: بدنا نفتح طريق للعالم… لم يكن ضعيفاً رغم ما يحمله بكاؤه من ألم لكنه كان غاضباً فهو لم يستطع أن يفتح طريقاً للناس.
“الساروت” كتب على صفحته الشخصية على الفيسبوك: ” عرس جماعي لـ 62 بطلاً نالوا الشهادة في ظروف لا تصدّق، كانوا يحملون على أعناقهم هم 3000 نسمة في حمص المحاصرة، وكانوا آخر أمل لفك هذا الحصار اللعين، رحمكم الله يا أبطال، عذراً يا رجولتي لا أستطيع منع نفسي عن البكاء”.
وتعد “كتيبة شهداء البياضة”، التي استشهد وأصيب معظم مقاتليها، أول كتيبة تشكلت في الثورة السورية، ويطلق عليها السوريون اسم “كتيبة الساروت” نسبة إلى الثائر عبد الباسط الساروت الذي كان من مؤسسيها، وقد نعى على صفحته الرسمية استشهاد شقيقيه “أحمد” و”عبد الله” اللذيْن شاركا في معركة فكِّ الحصار، وكان قد ودع شقيقين آخرين له هما “وليد” الذي استشهد أواخر عام 2011 و”محمد” الذي استشهد في مطلع عام 2013.
يعود عبد الباسط الساروت ليشغل الناس، فالبطل ذو الصوت المليء شجناً وحزناً ما زال موجوداً، مقاتل شجاع، كما كان متظاهراً شجاعاً، غيّر الكثيرون صور بروفايلاتهم على الفيسبوك ووضعوا صورة الساروت من جديد، وعادت عبارة “حارس الكرامة السورية” لتزيّن تعليقاتهم، ومن المؤكد أن الساروت لن يراقب الفيسبوك ليرصد نسبة جماهيريته، ولا ليرى تضامن الآخرين معه، فهو لم يخرج ثائراً على النظام لهذه الأسباب.
إذاً، الساروت مرة أخرى يعود إلى الواجهة، بالتزامن تماماً مع بدء الجيش الحر وعدد من الفصائل المقاتلة على الأرض حربها ضد تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، بدأت أعلام الثورة تعود لترفرف فوق المباني والمناطق التي احتلتها داعش، عادت حناجر السوريين لتشدو من جديد أناشيد الثورة الأولى، وبالشعارات التي صادرتها داعش، وكأننا نعيد قراءة سٍفْر الثورة، وسنصغي مجدداً لحارس الكرامة السورية وهو يشدو من جديد. وجنة جنة سوريا يا وطنا..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث