لو أُحدث صندوقٌ يجمعُ التبرعات والمعونات والهبات فقط منذ بداية الثورة، وأسندت مهمة إدارته لكادر متخصص، وتمَّ منعُ التدخل والسرقة والنزيف، طبعاً وأعيد النظر بعدد وحجم المؤتمرات والترحال عبر الطائرات والحجوزات الفندقية، لكانت المعارضة السورية، ليست بغنى دولة الكويت-التي استضافت مؤتمرين، ومنحت وسوارها مالاً للاجئين- بل لم يك في المعارضة جائع ولا شاهدنا السوريين اللاجئين يتنقلون من رصيف إلى مخيم…ولم يقفوا على أبواب اللئام .
بل ولموّلت المعارضة بعد عام نفسها، من أدوات ومستلزمات إسقاط النظام، ولاستقلت بقرارها السياسي عن الممولين والمانحين أيضاً .
ولكن كل ذلك لم يحصل، رغم أن ثمة اقتصاديين تقدّموا بهكذا مشروع فنّدوا عبر الخطة كل الاحتياجات وحتى الإغراءات، بيد أن أصحاب القرار وموظفي الثورة الذين يتقاضون لقاء نميمتهم وفتنهم بالدولار، حالوا دون ذلك المشروع الذي ربما كان يغني السوريين عمّا هم فيه اليوم، ولربما أبعدهم عن موسوعة غينس لجهة أكبر أزمة إنسانية في العصر الحديث وأكبر عدد لاجئين-نسبة وتناسب- يشهدها التاريخ .
لماذا دخلت “بالنكد”هكذا دونما أي تقديم، وأيُّ أمل يرتجى مما فات ومن الفكر النّكوصي؟؟ قد يسأل قارئ.
بدأت بنكء الجرح لأمرين اثنين، واتهام من اعتاش من المعارضة وخبرز اللاجئين ودم القتلى، ليس منهما، بل الأول أن أعرض بعض النتائج والأرقام الموثوقة والموثقة، وأقول بعدها ماذا يفعل نظام بشار الأسد رغم إيلام تلك المعطيات .
– إذا استمرت وتيرة حركة اللاجئين السوريين فإنهم سيصبحون في نهاية العام الجاري أكبر مجموعة لاجئة في التاريخ .
– إجمالي الخسائر الاقتصادية للأزمة السورية بلغت لغاية نهاية العام المنصرم ما يقرب 103.1 مليار دولار.
– الأزمة تتسبب بخسارة اقتصادية لسوريا بمتوسط شهري قدره 3.8 مليارات دولار .
– تراجع عدد سكّان سوريا بأكثر من 8%، بينما غادر 36.9 % من السكان أماكن سكنهم الطبيعي، حيث خرج 1.73 مليون لاجئ.
– ما يزيد عن 7 ملايين سوري هربوا من أماكن إقامتهم الأصلية إلى المدن الرئيسية خصوصاً دمشق، ويعيشون كلاجئين في دول الجوار.
– أعداد اللاجئين السوريين في دول الجوار بأكثر من 3 ملايين شخص، فيما قدرت أعداد النازحين داخليا بأكثر من 4.25 مليون شخص.
– 2.33 مليون مواطن فقدوا مصدر رزقهم ووظائفهم، وهو ما أسهم في ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى 48.6%، وتهديد معيشة ما يقرب من 10 ملايين مواطن.
– 18 مليون سوري يعيشون “تحت خط الفقر الاعلى” واحتمالات بلوغ سوريا المجاعة لأول مرة في التاريخ الحديث.
إذاً، ورغم هذه المعطيات، يحاول النظام، وفق منطق الإيهام أو الدعاية الانتخابية، أو ربما من منطلق كأنك تعيش أبداً، يحاول أن يعمل، وكأن سوريا مستقرة وكلها تحت سيطرته..وكل عوامل وخطوط ووسائل الإنتاج بحالتها وإنتاجها وطاقاتها القصوى .
آخر ما حرر “تبنت الحكومة السورية خلال العام الجاري ما سمته مقاربة تنموية تدخلية، تسعى خلالها إلى تدعيم حركة النشاط الاقتصادي وزيادة القدرة على ضبط الأسواق وخفض الأسعار، بما في ذلك العمل على تعزيز مبدأ التشاركية وغيرها من الأهداف التي تحقق الاندماج بمختلف أنواعه وأشكاله في العملية التنموية.
تقوم المقاربة التنموية التدخلية التي تبنتها الحكومة خلال 2014 على مجموعة من الأهداف ذات ثلاثة أبعاد، يتعلق الأول بتفعيل الحركة الاقتصادية والاجتماعية وإعطاء الأولوية للقطاع الإنتاجي الزراعي والصناعي، كما يتعلق البعد الثاني بزيادة قدرة الدولة على التدخل في السوق، أما البعد الثالث فيعتمد على تعزيز مفهوم التشاركية وإعادة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي في العملية التنموية والإنتاجية.
ومن أجل ترجمة الأبعاد المذكورة إلى واقع فعلي، فقد تم تحديد أهداف تنموية محددة تقوم عليها سياسة الدولة التنموية على المستويين الآني والمتوسط، إذ تتركز تلك الأهداف في خلق قنوات إنتاجية
جديدة تساهم في رفد الخزينة العامة للدولة بالليرة السورية وبالقطع الأجنبي أي الدولار التصديري.
ومن بين تلك الأهداف أيضاً تحسين المستوى المعيشي وزيادة القدرة الشرائية للمواطنين، من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج والأسعار النهائية وتوفير السلع بكميات كبيرة في الأسواق، إلى جانب تطوير الإنتاج المحلي السلعي والخدمي بطريقة مرنة من حيث القطاع والنشاط والتوزع الجغرافي.
وأشارت إلى أن الأهداف ركزت أيضاً على زيادة معدلات التشغيل وإعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي، كذلك زيادة المكون المحلي في السلة الاستهلاكية باتجاه تحسين مقومات الأمن الغذائي، وأخيراً تخفيف أعباء الاستيراد وتعزيز الطلب على الليرة السورية” .
لنسأل عن أية مقاربة تدخلية يمكن لحكومة النظام أن تقوم فيها وهي-كما قلنا- لا تملك جلَّ الأرض السورية، ناهيك عن توقف شبه مطلق للإنتاج الصناعي الخاص وجل الحكومي وتراجع الانتاج الزراعي وتوقف السياحي.
ولعل الأهم فقدان ما يسمى “موارد الخزينة” من نفط وضرائب وفوائض مؤسسات اقتصادية، فأية مقاربة وأي تدخل يمكن أن تقوم به الحكومة التي لا حق لها بالتدخل أصلاً، ليس لاعتبارات لها علاقة بالتحرير والانفتاح واقتصاد السوق، بل لعدم وجود ميزانيات لمؤسساتها وعمالتها يضمن دفع رواتب وأجور لأشهر قليلة، فجل الشق الجاري يتم تحويله-مع كامل الاستثماري- في صالح الآلة العسكرية والرشى السياسية وكسب المغيبين .
خلاصة القول: رغم كل ما يعانيه النظام من ضغوط سياسية واجتماعية وديون، إلا أنه دعا الوزارات جميعها لوضع خطط “للمقاربة التدخلية” لمناقشتها في هيئة تخطيط الدولة، ما يعني أنه يلمح لبقائه في الحكم ولاستخدامه لعبة المواطن ودخوله دعاية انتخابية .
وفي الماقبل، يعاني المهجرون السوريون حتى وجود مأوى يلجؤون إليه، ويعاني نازحو الداخل من الجوع حتى الموت، ببساطة لأن المعارضة بلا رأس رغم وجود المال، ولأن الهواة فيها أصحاب القرار رغم وجود محترفين وأصحاب خبرات تراكمية .
لكن ذلك لا يعني البتة أن مقاربة النظام التدخلية ستطبق وأن السوق السورية ستنتظم والليرة ستنتعش، ولا يعني بأي شكل من الأشكال أن إرادة الشعب السوري ستقهر. فالأمر برمّته سياسة ولا سياسة حتى فيما يتعلّق بالاقتصاد .
عدنان عبد الرزاق
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث