الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / ازدواجية الخطاب: تغليف الهزيمة بالنصر!

ازدواجية الخطاب: تغليف الهزيمة بالنصر!

فيكتوريوس بيان شمس
تُعدّ هزيمة حزيران 1967 ثاني أكبر الهزائم التي منيت بها الأمّة العربية من بعد نكبة 1948، وهو التاريخ الذي يعدُّ مخاضاً عسيراً ارتسمت من خلاله خريطة المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبدء الاستعمار الغربي بالجلاء عن الدول العربية، وبالتَّحديد الدول التي تقع في الشق الآسيوي. 
هذا الجلاء الذي استوحي منه مفهوم “نمط الإنتاج الكولونيالي”، للتدليل على تبعيتها بعد “استقلالها” لدول “المتروبول”.
 لكن الهيمنة باقية ما بقيت الحدودُ التي رسمها الاستعمار، وبقيت الأنظمة التي ارتضاها، ومثال ذلك: الإعلان عن تأسيس “حزب البعث العربي الاشتراكي” قبيل إعلان قيام الكيان الصهيوني بعام تقريباً، وقبل خروج “الانتداب” الفرنسي على سوريا بأيام قليلة، وهو الحزب الذي سيلعب دوراً محورياً فيما بعد، يبقي القائم، قائمٌ ببقائه.
وصل “حزب البعث العربي الاشتراكي” إلى السلطة في سوريا بانقلاب 8 آذار 1963 رافعاً شعار “أمّة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة!”. ومن إنجازاته الإصلاح الزراعي الذي قام به؛ فأعاد توزيع الأراضي على الفلاحين، منهياً بذلك عهد الإقطاع، ليولدَ نظامٌ برجوازي صغير، يحمل فكراً قومياً، ينادي بتحرير فلسطين، والأحواز، وأنطاكيا ولواء اسكندرونة، وباقي الأراضي العربية المحتلة، بعد عصر الانحطاط الطويل، ويمثل طبقة، بالقدر ذاته الذي سينشئ فيه طبقة تحمي امتيازاتها أجهزة أمنه، على حساب حزب سيأفل نجمُه فيما بعد لحساب هذه الأجهزة التي ستلعب الدور الأبرز في عملية إخضاع الشعب السوري.
والسؤال: ما الذي أنجز من برنامج التحرير الذي رفعه هذا الحزب؟
في العام 1967 خسرت الأمّة العربية ما بقي من فلسطين (غزة والضفة)، والجولان، وسيناء. وقد تكشّف فيما بعد، أن خسارة الجولان كانت مرسومة من وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد، الذي أعلن عن سقوط محافظة القنيطرة السورية قبل سقوطها بأيام. وعندما اتصل به وزيرُ الصَّحة السوري في ذلك الوقت، السيد عبد الرحمن الأكتع الذي كان متواجداً في قرية فيق الجولانية ليعلمه أن القنيطرة لم تسقط بعد، وبّخه حافظ الأسد بأحط العبارات، ويُقال أنه صفعه فيما بعد. 
بعد الهزيمة، كان للأمين القطري المساعد “لحزب البعث العربي الاشتراكي”، صلاح جديد وهو العسكري المخضرم، والحاكم الفعلي، هذا التصريح: “انتصرنا على اليهود طالما أخفقوا في إسقاط النظام”. والمعروف أن “إسرائيل” لم يكن إسقاط النظام في حساباتها، بل كانت تسعى لاحتلال ما احتلت.
في العام 1973 دخلت سوريا ومصر الحرب مع العدو الصهيوني مجدّداً، وهي الحرب الأولى التي يبادر فيها العرب، لم تكن النتائج كما كان متأملاً، فقيادة جيش العدو أعلنت أن: “دمشق تبعد 40 كم عن مرمى المدفعية الإسرائيلية”، ثم أن مدينة القنيطرة عادت بعد توقيع اتفاقية الهدنة عام 1974، ولولا تدخّل الدول العظمى أميركا – “الاتحاد السوفييتي” لاجتاحت القوات الصهيونية دمشق. 
يذكر سليم نعامة وهو مؤلّف كتاب “سلاح المدرّعات والمشاة والمظليين الإسرائيلي”، وهو أحد الأساسيين في “الهلال الأحمر العربي السوري” وشاهد ميداني على تلك الفترة، أن الخسائر السورية على جبهة تل الفرس كانت كارثية، أعطبت (7) دبابات من اللواء “جولاني” التي كانت متمركزة أعلى التل، المئات من الدبابات السورية أعطبت عطباً كاملاً، فيما لم يتكبّد الصهاينة سوى عطب في جهاز اتصالات دبابة قائد المجموعة الصهيونية، هذا عدا عن الخسائر الكارثية بسلاح الجوِّ السوري، ولولا وصول منظومة الدفاع الجوي السوفييتية “سام 6” في وقتها، لوصل الطيران الصهيوني إلى كل أنحاء البلاد.
 أما الكاتب البريطاني باتريك سيل، فيروي في كتابه “الصراع على الشرق الأوسط” أن ضباط حافظ الأسد، تنكّروا في تلك الحرب بثياب رعاة أغنام ليستطيعوا تجاوز المنطقة باتّجاه دمشق!
لكن الخسائر لم تتوقف عند هذه الحدود، ففي حزيران 1982، خسرت القوات الجوية السورية في سماء لبنان 82 مقاتلة، مقابل مقاتلة صهيونية واحدة، هذا في يوم واحد. لولا أن قوات المشاة عوّضت عن ذلك بمواجهات شرسة في السلطان يعقوب البقاعية لكانت الخسائر أكبر من أن تُحتمل.
بعد وراثة بشار الأسد السلطةَ عن أبيه، أخذت الأمور مآلات أخرى أكثر خطورة. ففي العام 2003 قام الطيران الصهيوني بالإغارة على معسكر “عين الصاحب” قرب العاصمة دمشق، ثم أتبعته بغارة وهمية على قصر تشرين الرئاسي في اللاذقية أدّت إلى تحطيم زجاجه بعد فتح جدار الصوت فوقه مباشرةً، دون أن يستطيع الرادار السوري رصدَها، وبالتالي فإن فاعلية قوات الدفاع الجوي (وهي السلاح الأضخم عدداً”) كانت معدومة. 
برز مع هذا الاعتداء ذلك الرد الأثير: “سوريا ستردُّ في الزمان والمكان المناسبين”!
عاود الطيران الصهيوني الكرّة في العام 2007 بالإغارة على الموقع الذي يُعتقد أنه مشروع مفاعل نووي في مدينة دير الزور شرقي سوريا، والذي كان تحت إشراف خبراء كوريين شماليين، وكان الرد الأثير ذاته: “سوريا ستردُّ في الزمان والمكان المناسبين”!
“لإسرائيل” باعٌ طويلٌ في قصف المفاعلات، فقد قصفت في العام 1981 مفاعل تموز العراقي.
بعد اندلاع الثورة السورية، والتي اعتبرها النظام السوري “مؤامرة كونية” عليه، ثم فيما بعد، وبسببٍ من صلفه في التعامل مع الثورة التي جنحت نحو العنف المسلّح لرد هجمات النظام على المدن والقرى واستباحتها، تحولت الثورة إلى حرب طاحنة، أنتجت العديد من المعادلات الداخلية والخارجية المعقّدة، وبعد تفتّت جيش النظام في هذه الحرب، حاول النظام في أحيانٍ كثيرة تهريب ما لديه من أسلحة نوعية لحليفه اللبناني “حزب الله”، فكان الطيران الصهيوني في المرصاد في كل مرة، والاعتداءات في هذه المرحلة أصبحت أكثر من أن تحصى، لكن الرد لم يتغيّر!
بعد اندلاع الثورة السورية بأشهر قليلة، اعترف النظام السوري، -وهو امتداد للنظام ذاته الذي رفع شعار “التحرير”- بالدولة الفلسطينية على حدود العام 1967. 
هزيمة العام 1967 أنتجت نظاماً ديماغوجياً يعترف بنتائجها بازدواجية شعاراتية واضحة: التحرير لمخاطبة الداخل، والاعتراف لطمأنة الخارج!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *