جوان سوز
الآن كبرت بعد أن صفق لي جميع
التلاميذ وحصلت على الإبتدائية، لم أعد فناناً ولم يعد علمي يرفرف فوق القممِ بعد أن تخلصت
من المُلازم الأول ” عريفنا المُندس ” وكذلك أستاذي الأحمَّق من شلّة
البعث ، مَزقتُ جلاءي المُلون كالطيف السُوري بالخطين الأحمَر والأسود، كُنت
صغيراً لم أكن أعرف ما هو لون الدم وماذا يعني اللون الأسود أيضاً، لكنني لم أكن
أرغب به بالرغم من عدم معرفتي بجبهة النُصرة ، الآن كبرت وأصبحتُ طليقاً بعد أن مضى
مشوار الطلائع ، توفي القائد الخالد صيفاً وانتهينا من
تحيّة العلم صباحاً ، لم تعد تهمني الحركة التصحيحية ، الحركة التي طبّلَ وزمّر لها مديرنا في المدرسة
لِسنوات مريرة وكنا نصفق له نحن التلاميذ دون أن خجل ” صدقوني كُنت عبداً مأموراً يا جماعة “،
الآن كبرت وتقاعد مدير المدرسة وجلسَ في البيت، لم أعُد سجيناً ودخلت الإعدادية
المُزعجة في مُنتصف أيلول وصرتُ في الشبيبة كما يقولون ، بدأت بدروس المعلوماتية وعرفت ماذا يعني الحاسّوب في عهد التطوير
والتحديث ـ صرت أعرف ماذا يعني المجلد وأنا أرى صور الفريق بشار على خلفية سطح
المكتب، عرفت أين تكون سلة المحذوفات وبدأت بحذف المعلومات التي تشكل خطراً على
أمن وسلام دولتنا، وصرت أعرف أيضاَ كيف أغير خلفية الشاشة كي أقوم بحذف صورة
الطاغية ليتمكن النظام من العمل دون أن يواجه مشاكل في تطبيقاتٍ أخرى .
الآن
أصبحت في الصَف الأول الإعدادي والإعدادية ليست في حارتنا، بعيدة كثيراً عن بيتنا
في المدينة ولا أعرفها تماماًـ أحد أصدقاء أبي يوصلني إليها في كل يوم كبداية في
الشوارع المُزدحمة ” تدريب ابن الرّيف على قطع الشارع ” خشية من شرطة
المرور والسيارات الطائشة، حينها كنت أكره الذهاب إليها سيراً على الأقدام وكذلك أكره
باصات ” الهوب هوب ” التي تدعني أتأخر عن الحصة الأولى من الدوام رغماً عني وعن أنف الموجّه وكذلك كنت
أكره كل المواد وأحب الإنجليزية فقط ولم أفكر يوماً بالعمّالة للغرب و كنتُ أحقد
على آنسة العلومـ أخت طارق بن زياد الصغير والذي استشهد في الهَزيمّة الساحرة في صفقة
استلام وتبديل القنيطرة بالجولان في ” حَرب تشرين التحريرية ” والتي كانت
تفتختر دائماً بهزيمته وتقول لي: استشهد أخي كي نربي جيلاً مُتعلماً وليس لِنربي الحيوانات والماشيّةـ كانت تصنفني من بينهم وتشير
بأصبعِها إلى الصورة التي على الجدار، القائد الذي غزا العالم، بطل الجمهورية في الانتصارات وأبُ الشعب، الرفيق المناضل،
جدُّ الطلائع وأخ الشبيبة، الأسد الذي رحل ولَن يعود، قائد الممانعة والذي لعب
دوراً في تحرير فلسطين التي لم ولن تتحرر حتى في عيد الكذب، هو الذي حارب ضد كل
طغاة البشريّة، وقتل شعبه على مدار ثلاثين عاماً، هو الذي لا تجوز عليه الرحمة
وبالمناسبة تجوز اللعنة فقط ، كان يظهر على شاشاتنا الحزينة بالأبيض والأسود
والمقوّي أيام زمان ويصفق له الشعب في المجلس وعلى التلفاز وترقص له جارتنا في
الملهى الليلي عشية ذكرى تأسيس البعث في السابع من نيسّان من كل عام.
مرت سنوات
على هذه الحكايا وكبرت يوماً بعد يوم، الآن كبرت وتخلصت من الإعدادية المُزعِجة
والمدير المَلعوُن ومن الطلاب المثابرين والآنسة الفخورة بأخيها ومن الشهيد
المهزوم وكذلك من ذوي السلوك الحسن في ثانويّة المأمون ودخلت جامعة حلب بكل فخر واعتزاز
دون أن أنتسب لحزب البعث ولله الحمد لم أصبح عضواً عاملاً فيه وكذلك لم أستقر على أي فرع وبقيت عاطلاً عن
الدراسة لكني عرفت ماذا يعني ” الكاتو أو البيتي فور ” وعرفتُ عيد الحُب
أيضاً ، ذكرى اغتيال حبيبنا الحريري ” بيد قيادتنا على ذمّة الرّاوي واسألوا
إذا بدكم.
كبرت يا
أخّي والله العظيم لقد كبرت وعرفت التكنولوجيا أكثر، عرفت المقاهي وبدأت أتردد
إليها، أدخل الإنترنت وأكتشف العالم من الجوجل وصار عندي بريد على الياهو والهوتميل
أيضاً، لقد كبرت وصرت أتعرف على بنات في الصين واليابان وروسياً وإيران أيضاً كما
لو أني في البرلمان السوري وكل هذا بفضل السكايبي وكذلك أراسل المُعارضة على الفيسبووك وأضع
لايكاً لتنسيقية ” السلميّة ” من كوباني وأعلق ” الكورد والعرب
أخوة … ولا للطائفية والعلويّة أهلنا ” وشعارات أخرى رفعتها في التظاهرات التي
خرجنا بها ضد النظام وحينها صراحة شعرت بأني كبرت حقاً بالرغم من الخوف الذي عشته
والصمت الذي قابلته، بالرغم من الشبيحة التي كانت تنبح على حافة منزلي وتمشي على
جسدي المقبور وأنا حَيّ ، بالرغم من كُل شيء لقد كبرت، هذه حقيقة لا أهرب منها،
كبرت وأضطررت للخروج من سوريا غصبن عنّي ورأيت نفسّي محظوظاً أكثر من أي وقت مضى.
أنا
مَحظوظ يا ناس … وكل الشعب السوري مَحظوظ
” مجلس الأمن ما عنده شغلّة
وعملة غيرنا وكذلك ” بان كي مون بشحمّه ولحمّه ” يظهر شخصياً ومن أجلنا على شاشات التلفاز ويقول
من المنصّة وعلى مرآى الملايين في نشرات الأخبار: ” أنا قلق وأعوذُ
بالله من شر ما خلق بما يجري للسوريين “ـ وأنا شخصياً كغيري لا أتوقع
منه أي شيء ولا أثق بهِ لكني هرمت وأنا أحلم بأن أقبِلَ هيلاري كلينتون في ساحة
سعدالله الجابري أو العاصي أو حتى الأمويين كمأ فعل أخواننا المصريين في ساحات التحرير ولكن هذا مُستحيل لأن ”
القاشوش ” لن يَعودَ حَيّاً ولو لمرة واحدة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث