إنه
الوقت، الخسارة الأكبر التي لم ندرك بأننا نخسرها كشعب جراء الحرب الدائرة في
البلاد، يعلم الجميع أن أسوأ الخسارات هي التي لا نشعر بها، تماماً
كأن تأتي زوجتك بعد عشرة أعوام وتقول: ” أنا خسرت عمري معك “، لطالما
فهمت الوقت بأنه الشعارات التي كرهتها ورددتها في الابتدائية، كعبارة ” الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك
“.
كانت هذه العبارة كفيلة بأن أصم أذنّي لسنواتٍ
عدة كلما تحدث أحدهم عن قيمة الوقت، كفيلة أيضاً بأن أحقد هذه اللحظة على من كتبها،
والآن أفهمها بذات المعنى الذي أفهمه من عبارة ” البق كالكلب إن لم
تبعده عضك “. أعذر ذلك الكاتب، فلربما كان طفلاً يلعب بالسيف في ذلك الحين،
منذ قليل فقط استطعت التغلب على كراهية هذه العبارة، كان ذلك أثناء غسلي للصحون كنت أفكر في السر الذي يجعلني أكره الوقوف على
المجلى بالرغم من أني أتقن جيداً عمل الأنثى في المطبخ، أدركت أخيراً أن السر هو الوقت، يسرق غسل الصحون
هذا، الكثير من وقتي. صحيح أني لم أكن لأخترع الذرّة كما تقول أمي،
لكن في داخلي صراع خفي ودائم مع الوقت، كما في داخل أي إنسان طموح، والشيء
الذي لا أتجادل فيه حتى مع نفسي هو أنني شخص طموح، يقطع سلسلة أفكاري المغرورة هذه
صوت رنة الهاتف، أقرأ الاسم وأفكر بما سأقوله لأسامة، كيف أوضح له بأني لا أريد أن
أراه حالياً ؟ ليس لأنني لم أشتق له، إنما
أشعر أني أضيع الكثير من الوقت معه! وبأن
الوقت هو قيمة ويجب أن نصرفها بالشكل الأمثل.. فعلى الجراح مثلاً أن يمضي أكثر من دقيقة و40 ثانية بغسيل يديه قبل الدخول إلى العملية، فقد يتسبب
بأذية المريض إن هو أنقص عدة ثوان منها. العديد من الشركات أيضاً، ستدفع مبالغ
خيالية إن فاتها الوقت اللازم في تنفيذ مشروع ما ! ولأنني أعرف جيداً من أحب، فأنا أعلم ما سيكون
رده، سيقول لي أني أمضيت السبع ساعات الماضية وأنا أتنقل بين نشرة أخبار وأخرى، دون أن أفهم ماذا يحصل فعلاً،
وبأن أكبر دول العالم عندما تقرر وضع يدها
لحل مشكلة، يعني هذا أنها لن تحل لسنين عديدة. وبأنه عندما أردنا لبلادنا فعلأ بأن تواكب الزمن، وجدنا الكثير من
رفاقنا يقتلون سني عمرهم في السجون، ونصف سكان المدينة يمضون نصف نهارهم أمام شباك
الفرن بدلاً من العمل، وأننا الآن نمضي ساعة في الوصول إلى العمل بدلاً من استقلال
تكسي توصلنا في عشر دقائق!
بعد هذا سأوافق على رؤيته فوراً، دون أن أخوض
نقاشاً طويلاً بأن التفاصيل التي ذكرها هي
نتائج طويلة الأمد، لعدم إدراكنا لقيمة الوقت، قررت فوراً أن أجيب على الهاتف فتوقف
عن الرنين فجأة وعلمت بأنه لم يكن علي أن أمضي
وقتي في التفكير بما لن أفعله!.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث