الرئيسية / رأي / الجبهة الإسلامية والمتاهات السياسية

الجبهة الإسلامية والمتاهات السياسية

بقلم
نبيل شبيب

سيان
ما يقال عن إنشاء “الجبهة الإسلامية” الآن، لا ريب أنها خطوة كبرى في الاتجاه
الصحيح، ونقلة نوعية -كما وصفها صانعوها- في مسار الثورة الشعبية في سورية.

والمأمول
أن يكون “الاندماج” كاملا، وأن يشمل تطبيقه التعويض عن النقص السابق بشأن
“الاستراتيجيات” العسكرية المتكاملة، والقيادات المركزية الواعية، وشبكة
التواصل المحكمة المؤمنة، واعتبار السلاح سلاح الجميع، واعتبار كل خطوة تقدم مكسبا
للجميع، وكل خطوة تأخر أو انحراف خطرا على الجميع.

. .
.

لا يخفى
أن جهات عديدة وجهت سهامها سريعا أو ستوجهها بشأن “التوجه الإسلامي” للتشكيل
المسلّح الاندماجي الأكبر في الثورة، فمن التحفظات التقليدية والمتوقعة:

١- علام
هذا التركيز على الهوية الإسلامية..

كأن
الثورة لم تولد من المساجد، أو كأن أحدا “منع” من يريد خوض الثورة تحت راية
أخرى من خوضها، بل إن ممّا يشرف الثوار أنهم يتحركون وفق إسلامهم فيقدمون الغالي والرخيص
من أجل “الإنسان السوري” و”الوطن السوري” و”المستقبل السوري”
ويتطلعون من وراء ذلك إلى الأجر من الله تعالى، نصرا في الحياة الدنيا ونعيما في جنة
الخلد بإذنه.

٢- إن
هذا التوجه سيثير قوى دولية وإقليمية فلا تدعمكم..

كأن
تلك القوى دعمت مسار الثورة حقا، أو بالقدر الذي تفرضه مواثيق دولية واعتبارات إنسانية
ومصالح متوازنة حقيقية، أو أن القليل الذي فعله بعضها يبيح أن يفرض على شعب سورية وثوار
سورية أن يفكروا كما يريد سواهم، ويعتقدوا وفق إرادة سواهم، ويتصرفوا بموجب ما يملي
سواهم، أو كأن هذا الذي يشترطون لا يتناقض تناقضا مباشرا مع ما يتحدثون هم به عن حرية
الشعوب أن تختار ما تريد لنفسها، وعن وجوب تحقيق ذلك بالذات عبر إسقاط الأنظمة الاستبدادية
الفاجرة.

٣- إن
هذا التوجه سيفصل بينكم وبين بعض من تعترف به القوى الخارجية..

كأن
القصد من ذلك اتهام من تعترف به القوى الخارجية، بأنه مشروط عليه أن يتبنّى توجها يتناقض
مع الإرادة الشعبية، ومع ما تمثله إرادة النسبة الأعظم من الثوار، فإن كان كذلك وجب
عليه أن يحرر نفسه، لا سيما بعد كل ما يقوله عن ارتباطه بالشعب وثواره، وبعد الحديث
المتكرر عن “ضغوط” لا تنقطع كي يصنع ما تريده تلك القوى، سواء توافق مع إرادة
الشعب وثواره أم لم يتوافق، بدءا بكيفية التحرك على أرض المعركة، انتهاء بالمخاطرة
بتكبيل مسار الثورة في “معتقل” جنيف.

٤- الجبهة
تضم فصائل متشددة ومنها من يتواصل مع فصائل “مشبوهة”

التصنيف
الخارجي بين متشدد ومعتدل مرفوض شكلا وموضوعا، والشعب في سورية هو الذي يصنف أبناءه
الثوار في نهاية المطاف، والثوار على أرض الميدان هم القادرون على التصرف وهم المخوّلون
بتثبيت معالم تعاملهم -في الميدان وليس عبر وسائل الإعلام وعبر القنوات الأجنبية- مع
ما يواجهونه من مشكلات كبيرة وصغيرة، بما في ذلك ما يسيء إلى الثورة والشعب الثائر.

ولكن..

كل خطوة
كبرى موضع التأييد تجد بطبيعة الحال من يضيف إلى التأييد كلمة “ولكن..” وما بعدها،
مع ضرورة التمييز بين من يقولها من منطلق “التشويش.. والرفض.. والتشهير..” وما
شابه ذلك، وبين من يقولها من موقع قد يستحيي فيه أن يقول عن بعد ما يرى أن الثوار في
حاجة إليه وهم في القلب من الثورة ببطولاتهم وتضحياتهم ومعاناتهم ومعاناة شعبهم الثائر
معهم.

توجد
إشارات استفهام عديدة حول ما يحتاج إلى أجوبة عملية، ومن أشدها إلحاحا ما يتعلق بالأوضاع
الإنسانية والمعيشية لشعب سورية في قلب الوطن وفي مخيمات التشريد، ولا يخفى شيء من
ذلك عن الفصائل الثورية الكبرى في الثورة. لا مجال للتفصيل في ذلك هنا، إنما قد تكون
إشارة الاستفهام الحاسمة في هذه المرحلة من مسار الثورة، هي السؤال عن “السياسة”
التي سيتبعها هذا التشكيل الثوري المسلح الأكبر في الثورة الشعبية.

لم تترك
الخبرات العملية في نحو ٣٢ شهرا مضت مكانا للقبول بقول من يقول:

اختصاصكم
القتال فاتركوا السياسة للمتخصصين بها.

بغض
النظر عن سريان هذه القاعدة في حالة الاستقرار وليس في حالة الثورة، يبقى أنه يوجد
الآن بالذات ألف سبب وسبب للقول باستحالة تطبيقها، بل إن من الأخطاء الجسيمة للغاية
أن يوجد تحرك ثوري دون رؤية سياسية.

ولكن
الفارق كبير، بين رؤية سياسية ثورية توصل إلى اقتران النصر العسكري الأول -أي إسقاط
بقايا النظام وميليشيات حلفائه- بتأمين الشروط الضرورية لتنبثق الدولة القادمة عن الثورة
حقا، ولا تترك نهبا لمن يعمل من قبل تحقيق النصر على اختطافها أو إجهاض حصيلتها، وبين
رؤية سياسية مستقبلية تُفرض فرضا على الشعب الثائر بعد تحرره، لتطبيق صيغة معينة، شاء
أم أبى، أي بأسلوب “الإكراه” المحرم بنص القرآن الكريم، بدلا من أن يكون
“تحريره بالثورة” تحريرا حقيقيا ناجزا، وهذا التحرير محوره تحكيم إرادة الشعب
في اختيار الصيغة التي يريد، ومن يثق بشعبه يثق بأنه لن يختار آنذاك إلا الأصلح والأصح
بإذن الله.

لا شك
في أن الجبهة الإسلامية تضم في صفوفها أصحاب الرؤية السياسية الثورية، وأن هؤلاء مدعوون
إلى طرحها طرحا واضحا لا لبس فيه، يركز على المعالم الكبرى ولا يغرق في تفاصيل تثير
الخلافات في غير وقتها المناسب، ولا شك في أنها قادرة على التواصل مع من تتوخى فيهم
الإخلاص والخبرة والكفاءة السياسية اللازمة، وإن لم يكونوا من داخل صفوفها، فقد أصبح
مسار الثورة الآن أحوج ما يكون إلى بيان “الرؤية” الشاملة، الواضحة، الواصلة
ما بين الواقع الراهن، والمستقبل المنشود، مستقبل استعادة شعب سورية كافة حقوقه وحرياته،
وفي مقدمتها حرية إرادته التي كبلها الاستبداد الفاسد الإجرامي عشرات السنين.. حتى
ثار الشعب لإسقاطه، ولا يمكن أن يقبل بتكبيلها من جانب أي طرف من الأطراف، فهذا محور
ما صنع الثورة، ومغزى النصر الذي ستحققه بإذن الله.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *